رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

الأمازيغ فى الفضاء المغاربي «1ــ2»

تشغلنا التطورات الخطيرة والمتلاحقة فى الحرب على غزة عن متابعة تطورات أخرى مهمة تجرى فى الجناح الغربى من وطننا العربي، تتعلّق هذه التطورات الأخيرة بالتحرّك فى ملّف الأمازيغ الذين يشكلون نسبة يعتّد بها من سكان الشمال الإفريقي.

ولقد كتبتُ فى نفس هذا المكان قبل نحو شهر عن المواجهات المسلّحة التى كادت تندلع بين حكومة طرابلس وسلطة مدينة زوارة ذات الأغلبية الأمازيغية حول إدارة معبر رأس جدير على الحدود مع تونس، وناقشتُ أسباب الاحتقان فى العلاقات بين العرب والأمازيغ فى ليبيا.

أما فى هذا المقال فسوف يتّم التعرّض إلى تطوّر الملف الأمازيغى فى الجزائر، على أن يتّم تخصيص مقال الأسبوع المقبل بإذن الله لتطوّر نفس الملّف فى المغرب. والقصد من ذلك لفت الانتباه إلى المخاطر التى تحيط بالنسيج الاجتماعى لبلداننا العربية خاصةً تلك التى تتميّز بتنوعها السكانى القومى أو الدينى أو الطائفي.

فى تمام الساعة ٦٫٥٧ دقيقة من يوم ٢٠ أبريل ٢٠٢٤ ومن فوق منبر الأمم المتحدّة- أعلن فرحات مهنّى زعيم «حركة تقرير مصير القبائل» المعروفة اختصارًا باسم الماك قيام دولة القبائل، مما يعنى انفصال منطقة القبائل الواقعة شرق الجزائر والتى يسكنها جزء من أمازيغ الجزائر-عن الدولة الجزائرية.

كان اختيار مهنّى ليوم الإعلان عن دولته وكذلك لساعة الإعلان عنها محمّلا برموز هدفها استحضار التاريخ الأمازيغى لمنطقة القبائل، فأما اليوم فهو يرمز لاندلاع ما يُعرَف باسم الربيع الأمازيغى عندما اصطدم أمازيغ منطقة القبائل بالشرطة بسبب منع ندوة كان مقررًا أن يعقدها الشاعر والكاتب الأمازيغى مولود معمرى فى جامعة تيز وزّو إحدى أهم ولايات منطقة القبائل.وأما الساعة فإنها ترمز لتوقيت إحدى معارك أمازيغ منطقة القبائل مع الاستعمار الفرنسى فى عام ١٨٥٧. وبالتالى فإن الحمولة التاريخية لإعلان الانفصال كانت عالية.

ومن قبل هذا الإعلان عن الانفصال كان مهنّى الذى يقيم فى فرنسا من سنوات طويلة قد اتخّذ عدة خطوات على طريق الانفصال، فبدأ بتأسيس حكومة لأمازيغ القبائل فى المنفى الفرنسى فى عام ٢٠١٠، ثم وضع دستورًا للحكومة، واستخرج بطاقات هوية لأمازيغ القبائل واتخّذ لهم نشيدًا وطنيًا لهم.وهكذا بدا الانفصال تطورًا طبيعيًا لسلسلة الخطوات السابقة، لكن هذا التطوّر بالغ الخطورة على مستقبل الدولة الوطنية العربية وليس فقط على مستقبل الجزائر.

وذلك أنه يعنى ببساطة أن تنفصل كل أقلية تختلف قوميًا مع الأغلبية العربية أو دينيًا مع الأغلبية المسلمة السنية،وبما أن دولنا العربية شديدة التنوع فإنها مهددة إذن بأن يتضاعف عددها بقدر تنوعها.

ويبرّر فرحات مهنّى تبنيه خيار الانفصال بأمرين، الأمر الأول أن فرنسا هى التى ضمّت منطقة القبائل إلى الجزائر ولم تكن جزءًا منها، وبأن حركته بدأَت بالمطالبة بالحكم الذاتى فلما لم تلق دعوتها استجابة طوّرت الحركة مطالبها إلى الانفصال عن الجزائر.

فى تحليل هذا التطوّر الخطير تجدر الإشارة إلى ملاحظتين أساسيتين، الأولى أن أمازيغ منطقة القبائل ليسوا إلا مجموعة واحدة فقط من مجموع أمازيغ الجزائر، لكنهم المجموعة الأكثر تسييسًا والأكثر تصادمًا مع الدولة، لكن بخلافهم يوجد الأمازيغ من الشاوية وهم مختلطون بالعرب، كما يوجد الأمازيغ من المزابيين وهم أيضًا فى مجملهم لا يطالبون بالانفصال.

وبالتالى فعندما نتكلم عن أمازيغ القبائل فنحن نتكلم عن شريحة واحدة فقط من مجمل أمازيغ الجزائر تستمد قوتها من قدراتها التنظيمية والتعبوية ومن الدعم الخارجى لها، ففرنسا هى المهد الذى وُلِدَت فيه حكومة المنفي، وإسرائيل داعم أساسى للحركة الانفصالية.

ولا يخفى مهنّى علاقته الوثيقة بإسرائيل،فعندما سئل فى حوار له على شاشة News 24 عن هذه النقطة بالتحديد قال بالحرف الواحد: «صداقتنا بإسرائيل وشعب إسرائيل ليست جديدة..هذا شعب عانى على مدار العصور وقاتل من أجل الحفاظ على استقلال دولته».

الملاحظة الثانية إنه يجب التمييز بشكل واضح فى موقف النظام الجزائرى من المكوّن الأمازيغى كله بين ما قبل عام ١٩٨٨ وما بعده. فقبل هذا التاريخ كان النهج الجزائرى السائد بالفعل هو تهميش الأمازيغ فى السياسة كما فى الثقافة، أما منذ التحوَل إلى التعددية الحزبية وإلغاء نظام الحزب الواحد فى دستور عام ١٩٨٩، فلقد جرى الاعتراف بالأحزاب الأمازيغية ولعبت هذه الأحزاب دورًا نشطًا على الساحة السياسية الجزائرية، ومن جهة أخرى تم رفع القيود عن تدريس وتعلّم اللغة الأمازيغية، وأخذ الأمر يتطوّر إلى حد أن نص دستور عام ٢٠١٦ على اعتبار إحدى لهجات الأمازيغ (تسمى تمازيغت) لغة وطنية ورسمية وتعمل الدولة على ترقيتها وتطويرها بكل تنوعاتها.

الأهم من ذلك أن تعديل الدستور الجزائرى فى عام ٢٠٢٠ جعل المادة الخاصة باعتبار التمازيغت لغة وطنية ورسمية جنبًا إلى جنب مع اللغة العربية- من المواد المحصّنة من التغيير،ما يعنى أنه مهما تغيّر رأس النظام الجزائرى فإن هذا المكسب الكبير لا يمكن التراجع عنه. ولقد واجه هذا التحصين الدستورى معارضة شرسة من غلاة المدافعين عن اللغة العربية فى الجزائر لكن النظام وقف فى وجه المعارضة. وبالتالى فإن الإنصاف يقتضى تسجيل تطور موقف النظام الجزائرى من القضية الأمازيغية.

إن إعلان فرحات مهنّى انفصال منطقة القبائل الأمازيغية وتشكيلها دولة مستقّلة عن الدولة الجزائرية حدث خطير لم يلق من الاهتمام العربى ما يناسبه. ولئن رأى البعض أن تجاهُل هذا الإعلان من شأنه التقليل من وزنه على أساس أن هناك دولًا أخرى نشَأت على نفس النسق مثل دولة صومالى لاند مثلًا التى لا يعترف بها أحد، لكن هذه المقارنة خاطئة لأن الأمازيغ جماعة قومية كبيرة تتوزّع على كل الشمال الإفريقى وتحتاج معالجة قضيتها إلى حنكة وحذر شديدين حتى لا تتدحرج أمام عيوننا كرة الثلج من دولة إلى أخري.


لمزيد من مقالات د. نيفين مسعد

رابط دائم: