لكل مجال أقطاب، أعلام، أساتذة، «وأسطوات» لا يشق لهم غبار. يحققون إنجازًا ويؤسسون مدرسة ويتركون للخلفاء من بعدهم سيرة ومسيرة ملهمة. بيليه، كان فى كرة القدم كذلك وأكثر. فالرجل الذى رقد جثمانه فى مثواه الأخير يوم الثلاثاء الماضى، لم ينفق على الأرض ثمانية عقود عبثا. بل ترك الكثير من الأمثلة والإنجازات لتشهد له.
زار البرازيلى بيليه، المولود عام ١٩٤٠، مصر ثلاث مرات. أولاها فى عام 1960، وثانيتها فى السبعينيات، وآخرها عام 2014. زيارة السبعينيات كانت مميزة لأكثر من سبب ففيها لعب على رأس فريق «سانتوس» البرازيلى أمام الأهلى، وهزم بيليه و«سانتوس» الأهلى بخمسة أهداف كادت تصبح ستة لولا تدخل الأقدار.
وفى زيارة السبعينيات أيضا، أهداه الرئيس المصرى آنذاك محمد أنور السادات ( 1918- 1981) وسام الرياضة من الطبقة الأولى. وعلقت هذه الزيارة التى تابعها ووثقها بقلمه شيخ النقاد الرياضيين نجيب المستكاوى بأذهان الشباب المصرى وقتها ومن حينها.. فكانت العودة لمراجعة وقائعها وفقا للأهرام.

جمهور غفير وتنظيم خاص للمباراة الاستثنائية بين «سانتوس» و«الأهلى» تصوير ــ محمد القيعى
تحت عنوان «بيليه يقول: الكرة بلا أهداف شيء مميت»، جاءت تصريحات الأسطورة بيليه بالصفحة الخامسة من عدد «الأهرام» الصادر بتاريخ 20 فبراير 1973. فكانت افتتاحية التصريحات كالتالى: «لعل جمهور القاهرة قد لاحظ فرحة بيليه بالهدف الأول الذى سجله فى مرمى النادى الأهلى وكأنه أحرز هدف النصر فى كأس العالم، مع أنه الهدف رقم 1156 بالنسبة له. ذلك أن له رأيا أبداه قبل مغادرة سانتوس للبرازيل فى رحلته هذه مباشرة حيث قال بوضوح تام: (إن كرة القدم بلا أهداف شيء مميت).
ولم تنته تصريحات بيليه هنا، فنقلت «الأهرام» عنه تعليقه على ما كان من احتمالات فوز البرازيل بكأس العالم عام 1974، فقال: «يمكن أن يتحقق ذلك بشرط إجراء تغيير جذرى فى التكتيك الحالى الممارس فى أندية البرازيل، بحيث يعود التدريب ليصبح الشغل الشاغل للاعبين.
البرازيل مازالت تملك إمكانات ممارسة الطابع الذى يتفق وأمجادها السابقة. لكن تغلب عليها الآن فلسفة اللعب بتفضيلها الدفاع على الهجوم».
لكن نصائح بيليه وقتها لم تكف، إذ لم تفز البرازيل بكأس العالم 1974، وكان الكأس فى هذه الدورة من نصيب ألمانيا الغربية التى تغلبت فى النهائى على هولندا بهدفين إلى هدف واحد.
وبالعودة إلى بيليه والفلسفة التى يرى أنها أضرت بالكرة البرازيلية فى السبعينيات، فإن اللاعب الفذ لم يبخل بعرض فلسفته الخاصة عما يجب أن تكون عليه لعبة كرة القدم. فيقول بيليه، وفقا للأهرام: «الكرة عندى هى تسجيل أهداف ثم أهداف ولا شيء غير الأهداف. ففيها الجاذبية للاعبين والجمهور على السواء. وإذا تغلب الطابع الدفاعى، فإن الجمهور له الحق فى الانصراف عن الملاعب. ولا ننس أنه يدفع مالا ليرى أهدافا. وإحراز الاهداف ليس سهلا ويحتاج تربية المهاجم ذى المهارات الفنية العالية، كما يحتاج إلى غرس الشجاعة الهجومية فى نفوس اللاعبين، كعدم الخوف من الفشل فى التسديد أو إهدار الفرص، لأن واحدة تخيب وواحدة تصيب».
ويبدو أن بيليه كان يرصد بانتقاداته ظاهرة تتخطى المسألة البرازيلية، فيقول، وتنقل عنه «الأهرام»: «إن عدم الفاعلية ظاهرة قاتلة فى أنحاء العالم كله. فمعظم مبارايات الدورى الجديد الكبير فى البرازيل تنتهى بدون أهداف. وكذلك الأمر فى أوروبا، حيث تنتهى المباراة بلا أهداف على الإطلاق أو بفارق هدف واحد فى معظم الحالات».

بيليه يراوغ مدافع الأهلى سمير حسن فى طريقه للمرمى
ويستشهد التقرير الأهرامى فى دعم آراء بيليه بما كان من نتائج تحقيق لوكالة الـ«يونايتدبريس» فى عام 1972، والذى انتهى إلى اتفاق جمهور كرة القدم ونقادها على أن اللعبة تعانى عدة أمراض، هى: «العنف داخل الملعب وخارج الملعب، وضآلة الدخل، وكثرة الإذاعة بالتليفزيون.. وقلة الفاعلية». ويكمل التقرير فى سوق الأمثلة، فيذكر: «على سبيل المثال، فإن 92 ناديا فى الدرجات الأربع للدورى الإنجليزى سجلت 6500 هدف فى الموسم 1964- 1965، بينما هبط هذا الرقم فى موسم 1971-1972 إلى 5228 هدفا فقط. ونتيجة لذلك، فقدت الأندية الإنجليزية مليون متفرج فى الموسم حيث وصل عدد المشاهدين فى الدورى إلى 25 مليون متفرج وهو أقل عدد منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية»
ثم كان ختام التقرير: «ولعل هذه التصريحات والإحصاءات تفسر فرحة بيليه وزملائه بالأهداف الخمسة التى سجلوها فى مرمى الأهلى خلال 25 دقيقة، أى بمعدل هدف كل خمس دقائق، كأن الطريق مفتوح والإشارة خضراء رغم أن الفانلات .. حمراء».
خمسة أهداف نارية وسريعة، هذا ما أوردته «الأهرام» بقلم ناقدها الرياضى الكبير نجيب المستكاوى (1918- 1993) فى العدد السابق بيوم واحد والصادر بتاريخ 19 فبراير 1973، وذلك تحت عنوان: «سانتوس يهزم الأهلى 5/ صفر فى لوغاريتم جديد» و«مهرجان عظيم وصمود 60 دقيقة ثم نتيجة ثقيلة دون مبرر».
ينتهى تقرير المستكاوى وبعد شرحه وقائع المباراة التاريخية بين نادى سانتوس البرازيلى والأهلى المصرى، إلى خلاصة بالغة الأهمية. فيكتب: «لعب سانتوس بطريقة 4/2/4 كما جاءت فى الكتب الكروية. كلودو ألدو، أحد ثلاثى خط الوسط البازغ فى كأس العالم (دفاع معاون) وبريتشيا مهاجم حلقة اتصال يتحرك ويناور ويصنع اللعب وينضم هجوما ويحل محل الجناح. الفريق كله انتشاره أحسن طول الوقت، حتى فى أحرج اللحظات. الجناح أيدو يلازم خط التماس ليحتجز شريف مدكور فيخفف ثقل دفاع الأهلى... ناس تلعب بمخ. الكل يعامل الكرة بأدب وحنان ورفق، فلا ركل ولا أبعاد ولا طرد للأوت.، وإنما سهل ممتنع...».

لاعبو «سانتوس» يردون تحية الجماهير
هذا بعض ما جاء فى تلخيص أداء «سانتوس» ولاعبيه، أما «الأهلى»، فكتب المستكاوى فى وصف ما كان من أدائهم، فقال: «لعب الأهلى بطريقة 1/4/2/3 أى كاتيناتشو، برجوع مصطفى يونس للانضمام للظهر ولعب حسن حمدى (ليبرو) لكن يونس احتسب على الهجوم ظلما وعلى الدفاع ظلما وراقب الحكم أكثر مما تدخل فى اللعب. ولم يقم هانى، (فى إشارة إلى اللاعب هانى مصطفى) وشريف بواجبهما الهجومى إلا لماما. وتقدم سمير حسن بعد الأهداف دون خطة ولا حذر، ولم يكتمل هجوم الأهلى قط، ولم يتعاون المهاجمون مع أبو جريشة كما يجب. فتنافر الهجوم وضعف ثم ازداد ضعفا بخروج (زيزو) رغم استمرار ميله للنرجسية أكثر من مصلحة الفريق. وأخيرا سوء التغطية والانهيار المفاجئ غير المقبول، لأنه خسارة رياضية كبرى».
ويكمل المستكاوى فى شرح الواضح والغامض، حسب تعبيره، بشأن المباراة، فيقول: « الشيء الواضح هو فارق المستوى الفنى والفهم الكروى .. والشيء الغامض هو ذلك الانهيار المفاجئ مهما حاولنا تبريره، فخطأ حكم أو دخول هدف أو أكثر لا يمكن أن يؤدى إلى ذلك التفكك، ولا اللياقة البدنية أيضا لأنها كانت موجود حتى الدقيقة 14 من الشوط الثانى قبل الهدف الأول بدقيقة، واللياقة شيء لا يضيع فى ثانية. كذلك ليس السبب سيادة الأهلى وهجومه ومراوغاته فى ربع الساعة الأول من الشوط الثانى مما جعل سانتوس يخرج كل ما عنده تفاديا للهزيمة. كل هذه المبررات لا تكفى لتفسير اللوغاريتم الذى قدمه لنا لاعبو الأهلى أمس..»
أما عن نجوم المباراة التاريخية، فصنفهم المستكاوى كالتالى: «بيليه أولا، وبريتشيا، وكلودوألدو، وإيدو، وزى كارلوس، ثم حسن حمدى، واكتفى بهذا التقدير العام دون إعطاء درجات إشفاقا على ثلاثة أرباع لاعبى الأهلى...». لكن الأهلى نال فى المقابل هدية تاريخية، كانت «الفانلة» التى لعب بها بيليه مباراته معهم. وذلك قبل أن يغادر مع «سانتوس» إلى الخرطوم ليلعبوا مع «الهلال السودانى»، وبعدها واصلوا رحلتهم الكروية ومبارياتهم التى تفرقت بين دبى وليبيا ومينويخ وباريس وبلجيكا ليختتم عروضه الساحرة فى لندن أمام نادى « جريس تاون». ولكنه بالطبع لم يغفل زيارة «الأهرامات» المصرية .. قبل انطلاقه وانطلاق بيليه فى تلك الجولة المثيرة.. وذلك وفقا لما وثقته الأهرام

استقبال بيليه عند وصوله مصر تصوير ــ إيميل كرم
رابط دائم: