رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

يرى الفرن وقود الحياة والكتابة مشكاتُها
جمال بربرى.. صانع الخبز والحكايات

محمود سيف الدين
الخباز الروائى جمال..عاشق الحكايات

«دعنى أخبئ الخبز فى لحمى كالدبابيس وأفتله كالشوارب فوق شفتى»، جملة شعرية ملهمة وآسرة تضمنتها إحدى قصائد الشاعر السورى الكبير الراحل محمد الماغوط، تشير إلى هذا الارتباط الوثيق عبر الأزمان بين الرغيف والحياة. وكثيرا ما احتل الخبز مكانة وخصوصية فى تاريخ الأدب العربى والعالمى، فكان منبع إلهامٍ لأسماء عديدة فى عالمِ الكتابةِ الإبداعية مثل رواية «بائعة الخبز» التى صدرت عام 1889لـ«كزافييه دومونتبان».

كما أن رواية «الخبز الحافى» للروائى المغربى محمد شكرى ملأت الآفاق، وكانت بمثابة الجزء الأول من سيرته الذاتية، وقد عانى فى الواقع الفقر وعمل فى مقهى، وبائع جرائد وماسح أحذية وبائع سجائر. جميعُها تجارب لمبدعين اتخذوا من الخبز تيمة الحياة المرتبطة بقسوتها ووطأة العيش، لارتباطه اللصيق بسبب من أسباب الحياة، الطعام. غير أن القاص والروائى جمال بربرى قرر أن يعانق أفقًا مغايرًا، حين اختار أن يكون الخبز مجازه وواقعه معًا، فهو الروائى صانع الخبز، وهو الخباز كاتب الحكايات.


نماذج من أعمال البربرى - مجموعة قصصية عام 2014

لم تكن العلاقة الحياتية العملية بالفرن والخبز عن رغبة وإرادة حرة، بقدر ما كانت اضطرارًا فى مسيرة الأقدارِ والحكمة، يحكى جمال بربرى كيف أن آمال والده تجاهه كانت كبيرة، فيقول: «كان أبى رحمه الله يتمنى أن أصبح شيئا مهمًا مهندسًا طبيبا، أو محاميا، ويأتينى كل يوم بالجريدة حتى أقرأها له وكان دائما ما يفرحُ بالشهادة التى تخلو من (الكحك)، غير أن ظروف مرضه منعتنى من تحقيق أحلامه لى، فبحثت عن عملٍ مناسبٍ فى أسرع وقت، ولم أجد سوى مهنةٍ فى الفرن الذى التحقت به وعمرى عشر سنواتٍ فقط، وكانت أول ضربة على عنقى من بائع الخبز (الوكيل)، وقتها قررت الهروب من العمل ولكن تذكرت مرض أبى وإخوتى الصغار الذين صاروا أمانةً فى عنقى، فتلقيت الضربات تلو الضربات وتحملت لسعة الخبز الساخن التى لا تزال آثارها على جسدى».

أما الشغف بالكتابة عند جمال بربرى، فهو انفجارٌ لطاقةِ بوْح تود لو تجرح سكون الأوراق الصماء، كما يؤكد: «ليس لى صديق أبوح إليه بالمآسى اليومية، فقد وُلدت فقيرًا، والفقير الذى لم يعش مرحلة طفولته أو المراهقة بصورة طبيعية لا أصدقاء قدامى له، ودون سابق إنذار مات شخص كان يعمل معى بجرعة مخدرات زائدة، خشيتُ الموت الذى يبدد وجودنا قبل أن نبوح».

لم يتوقف جمال بربرى عن الكتابة ودعمها بالقراءات، والسعى إلى النشر ما بين الدوريات الأدبية المختلفة والإصدارات، حتى صدر له عدد من المجموعات القصصية، بإسمه الأدبى جمال فتحى، منها (الجدران) عن الهيئة العامة لقصور الثقافة 2014، و(أحزان لا تجد من يكتبها) 2015، و(مشكاة الوجع) 2016، ضمن أعمال أخرى.


وعن الشخصيات التى تعامل معها فى الواقع وتحولت لشخصيات حية أيضا لكن على الورق، فإن المجاذيب يحتلون صدارة الرؤية ومحاولة المعالجة لدى خباز الحكايات. فيقول عنهم: "أعشق المجاذيب جدا ودائما أكتب عنهم، لأنهم يعرفون المعنى الحقيقى للسعادة، هى عندهم أن تمحو من عقلك لغة الحزن وتلقى بأكياس الهموم السوداء فى محرقة الحياة. وهناك شخصية عبدالسلام الذى يعمل عند تاجر الفاكهة فى قصة (ثلاثة جنيهات تكفى) ذاك العبيط الذى لا يهتم إلا بكل ما يطلبه صاحب المحل».

ويكمل: «تتبدى ملامح هذا الواقع المعيش والمحيط بأجواء الفرن والكتابة من بيئةٍ يشكلها بعد روتين يومى وحى يعج بالكائنات والناس ذوى الأصول والشرائح المجتمعية المتباينة.. أسكن فى شارع الشيخ هارون تلك المنطقة المحصورة بين جبل ومقابر، تضم حارتنا جميع فئات المجتمع، النوبيين، والصعايدة، والفلاحين، المثقف جوار الجاهل، الكفيف جوار البصير، الأغنياء يسكنون فى مقدمتها، والفقراء فى أعلى الجبل.. ليست لى مواعيد محددة للعمل، فأحيانا يحتاجنى صاحب الفرن فى منتصف الليل عندما يغيب أحد العمال، ولكن أغلب الأيام فى النهار".

مهنة الفرّان لا تتطلب فقط القوة الجسدية والسلامة الذهنية، لكن أيضا تحتاج التعود على الصبر والجلد أمام نيران مستعرة لا ترحم، حتى فى الشتاء القارس، وفى الصيف بالطبع هى نار جهنم. بجوار البربرى، حكى العم عبود، صاحب السبعين عامًا، وهو الذى لم يجلس يومًا فى البيت من صغره، ليقينه بأن مكوثه بالبيت يراكم عليه الأمراض مثلما حدث لأصدقاء المهنة. يقول عن أشهر أهازيج العمل أمام نار الفرن، متذكرا كلمات أغنية للفنان جمال الإسناوى يستعينون بها على تعب العمل: الصبر لو كان تقاوى لازرعه بـغيطان/ وأرويه بدمع الندم ع اللى جرالى وكان. ثم يردد أهزوجته: (دورى يا حلة العجين وَكَّلى الغلابة والمحتاجين/ ميه ودقيق وعلى الله التوفيق/ الماء والملح والخميرة بمقادير، وعلى المولى التدبير).

سما وشمس وشروق وجهاد، يوضح البربرى أن «أسماء بناتى الأربع.. دائما ما يسألننى: كيف يا أبى تكتب وتقرأ وتنشر كتبًا وتساعد الناس فى الكتابة وتعمل فى مخبز وتأتى كل يوم بملابس متسخة؟ أحتار فى إجابة تساؤلهن لكنى دائما أخبرهن بأنه من المهم أن نفعل ما نحب ونشبع احتياجاتنا الإنسانية الطيبة مهما كانت الظروف قاسية»، وأنا أحب كتابة القصص وعملى كذلك أمر ضرورى. وكم تمنيت أن ألتحق بعمل فى وزارة الثقافة حتى لو عامل نظافة بداخلها، المهم يكون لى مرتب ثابت ومعاش، ولكن لم يحدث حتى دخلت مرحلة سن الأربعين، ويوميتى 100 جنيه لا تكفى للحياة فى وقتنا هذا».

رابط دائم: 
كلمات البحث:
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق