حالة من القلق أصابت العديد من الأسر وأولياء الأمور مؤخرا، خاصة الذين لديهم أطفال فى المراحل الدراسية الأولى، بسبب انتشار موجة واسعة من أمراض الأنفلونزا والجهاز التنفسى بين أطفالهم خاصة مع اختلاط الطلاب فى المدارس، كما ترتب على ذلك انتقال العدوى لأفراد الأسرة وأصحاب المناعة الضعيفة من كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، مما أعاد للأذهان ذكريات انتشار فيروس كورونا المستجد، فما ماهية هذا الفيروس وهل هو متحور جديد لكورونا، أم أننا أمام أحد الأمراض الموسمية التى تحمل لنا فيروسا مختلفا؟ فكان لابد من التوجه إلى الأطباء أصحاب التخصص فى الأمراض لمعرفة سبب انتشاره بشكل أوسع هذا العام. وعن ماهية الفيروس المخلوى التنفسى وكيفية الوقاية منه، وطرق العلاج يدور هذا التحقيق.
تكثر أمراض الجهاز التنفسى عادة فى تلك الفترة من العام، وخاصة مع بداية فترة الخريف هذا ما أكده د. أحمد شوقى محمد أستاذ أمراض الصدر ـ جامعة طنطا وعضو اللجنة العلمية لمكافحة فيروس كورونا المستجد، مشيرا إلى أنه فى هذا التوقيت من العام وباقتراب فصل الشتاء، تحدث تغيرات مناخية، مثل انخفاض درجات الحرارة المصاحبة لعدم الاستقرار الجوى من رياح وأتربة وتساقط أمطار، ويكون الجهاز التنفسى معرضا كليًا للبيئة الخارجية، ويتأثر بتلك التغيرات وخاصة فى وجود عوامل مساعدة سواء عنصر السن، أوالمعاناة من بعض الأمراض المزمنة والمناعية، أو طبيعة العمل.
وأشار إلى أنه من أهم تلك الأمراض هى أمراض الحساسية، والنزلات الشعبية الربوية، وفى هذا التوقيت تكثر معاناة مرضى حساسية الصدر والجيوب الأنفية، ومرضى السدة الرئوية المزمنة، وهؤلاء المرضى عند الإصابة بالمرض يضطرون للتردد على أقسام الطوارئ، بل أحيانًا دخول المستشفيات نتيجة حدوث نوبات حادة مصحوبة بفشل بوظائف التنفس مما يلزم الرعاية الطبية المكثفة.
وكشف د. أحمد أن أحد عوامل الإصابة بالأمراض الفيروسية وانتشارها التواجد لفترات طويلة داخل المبانى والغرف المغلقة سيئة التهوية، ومع بدء العام الدراسى فى المدارس والجامعات، نتيجة للتجمع وزيادة الاختلاط لفترات طويلة.
وحول السلوكيات المسببة لانتشار الفيروس قال د.شوقى، من أهم الأسباب عدم شرب المياه بكميات كافية فى فصل الشتاء، مما يؤدى إلى جفاف الأغشية المخاطية المبطنة للجهاز التنفسى العلوى والتى تعد خط الدفاع الأول ضد الفيروسات والجراثيم والبكتيريا.
كما أنه فى بعض الأماكن صحراوية أو بدائية المعيشة قد يلجأ البشرلاستخدام وسائل تدفئة غير صحية مثل إشعال الحطب تصدر عنها الكثير من الأدخنة و الغازات المهيجة للصدر مما يسبب فى احتقان الجهاز التنفسى العلوى.
وأوضح أنه من الفيروسات الأكثر شيوعا: فيروس «Rhinovirus» وهو فيروس ضعيف، ولكنه المسبب لمعظم نزلات البرد الشائعة، وأيضا فيروس الأنفلونزا الموسمى وهو الأكثر شيوعًا، وفى الأيام الأخيرة تم تسليط الضوء على الفيروس المخلوى (RSV)، وهو فيروس متعارف عليه من عشرات السنين، و يتسبب فى حدوث نزلات برد، تتراوح شدتها من بسيطة إلى خطيرة.
ونوه شوقى إلى أن الأعراض تظهر بعد حدوث الإصابة بأسبوع إلى أسبوعين، وقد تستمر لمدة حوالى 14يوما ويصاحبها لدى بعض المرضى هياج فى الصدر وأزيز لفترة طويلة، مع حدوث ارتفاع فى درجة حرارة الجسم المقاومة للمخفضات، وتستمر فترات أطول من غيرها من الفيروسات، مما يؤدى الى الإحساس بالإعياء الشديد و آلام بالجسم و صداع.
ويحذر د. أحمد شوقى من المضاعفات خاصًة لدى كبار السن، ومرضى القلب، وأصحاب الأمراض التنفسية وأهمها الالتهاب الرئوى والقصبات الهوائية، خاصة عندما يعانى المريض من سعال شديد وأزيز بالصدر مع النهجان وصعوبة التنفس، وينصح المريض فى هذه الحالة بسرعة طلب الرعاية الطبية أو الذهاب للمستشفى لتجنب حدوث الفشل التنفسى وأهم أعراضه (زرقان فى الأظافر واللسان).
وأكد شوقى أن القاعدة الطبية الأساسية فى التعامل مع الأمراض الفيروسية هى الوقاية والعلاج السريع، وأهمية المتابعة الطبية فى حال ظهور أى من أعراض الأمراض الفيروسية وخاصة الحرارة والسعال وضيق التنفس، لتجنب المضاعفات ولتشابه الأعراض بين الفيروسات المختلفة، ولاستبعاد الإصابة بفيروس كورونا المستجد.
وعن إجراءات الوقاية أوضح د.شوقى، أنه من أهم الإجراءات، غسل اليدين بعد ملامسة الأجسام الصلبة وإمكانية استخدام المحاليل الكحولية، والتهوية الجيدة للمنازل صباحا، إضافة إلى التزام المريض بالمنزل لحين اختفاء الأعراض، مع لبس الكمامة لمدة مماثلة عند الاختلاط، وأيضا تغطية الفم عند السعال والعطس، وعند استخدام المناديل الورقية يجب التخلص منها فورًا، كما يجب الإكثار من الخضراوات والفاكهة، وتناول السوائل الدافئة والإكثار من شرب المياه، ويعد الحفاظ على ساعات النوم الكافية من أهم أسباب زيادة المناعة للجسم، وفى فترة انتشار الفيروسات بشكل عام يجب الحرص على عدم المصافحة والتقبيل لمنع انتشار العدوى، وتجنب الأماكن المزدحمة مثل مراكز التسوق وغيرها بقدر الإمكان، مع تجنيب كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة من مداعبة الأطفال والرضع، والاهتمام بتلقى التطعيمات واللقاحات الخاصة بالإنفلونزا الموسمية قبل بدء الشتاء من كل عام.
من جانبه أكد الدكتور محمد شبيب استشارى طب الأطفال وحديثى الولادة ـ أن (الفيروس المخلوى التنفسى) وهو مرض معروف وليس بجديد ينتشر مع دخول فصل الشتاء ومع التقلبات الجوية.
وأوضح أن من أهم أسباب انتشار بالفيروس المخلوى التنفسى الاختلاط المباشر بين الطلاب فى المدارس والتجمعات مع بعض العادات والسلوكيات غير السليمة من عدم الالتزام بالإجراءات الوقائية الصحيحة، محذرا من ضعف مناعة الأطفال ضد الفيروسات الحديثة والمتجددة، نظرا للظروف الاستثنائية التى مرت بالعالم خلال السنوات الأخيرة على الأطفال من البقاء فى المنزل وعدم اكتمال الاحتكاك اللازم لتكوين المناعة اللازمة لديهم.
ونصح الأسر وأولياء الأمور بأنه فى حالة ظهور أى من أعراض الإنفلونزا فيجب على الفور منع الطفل من الذهاب للمدرسة، لعدم تعرض باقى الأطفال للعدوى داخل المدرسة، إضافة إلى الالتزام الكامل بكافة الإجراءات الوقائية التى تعلمناها خلال فترة انتشار فيروس كورونا، من ارتداء الكمامة والحفاظ الدائم على نظافة الأيدى.
وفى سياق متصل أكد الدكتور إسلام عنان أستاذ اقتصاديات الدواء وعلم انتشار الأوبئة، أن أكثر من 70% من إصابات الإنفلونزا تنحصر فى الفيروس المخلوى التنفسى. وأن بروتوكولات الفيروسات يتم تجديدها أولا بأول، إلا أن فيروسات الإنفلونزا يتم التعامل فقط مع الأعراض، وتخفيفها بالأدوية المتاحة لحين تعافى المريض من الفيروس، لذا ننصح كافة الأسر بالابتعاد على الاختلاط الزائد والالتزام بالاجراءات الوقائية والتعامل مع انتشار فيروسات الإنفلونزا بدافع مجتمعى يضمن حماية كافة الأطفال من التعرض للعدوى، وفى حالة ظهور الأعراض على الطفل يجب على ولى أمره زيارة الطبيب فورا.
الدكتور محمد طعيمة استشارى أمراض الروماتيزم والمناعة كلية الطب جامعة عين شمس، يقول إن (الفيروس المخلوى التنفسى) ينتقل بنفس الطريقة التى تنتقل بها الفيروسات التنفسية لذا ننصح دائما بتجنب المخالطة بين الأطفال المصابين، إضافة إلى أهمية تجنب التعرض للمسببات المرضية مثل الأكل غير الصحى والتعامل مع الأماكن والأسطح المكشوفة دون أى حذر، إضافة إلى أهمية عدم التعرض للبرد المباشر بشكل مفاجئ، وينصح بأهمية تناول اللقاحات الخاصة بالإنفلونزا فى ميعادها، نظرا لأنه يتم تعديلها كل عام لمواجهة المتحورات الجديدة من الفيروسات.
ومؤكدا أن أعراض (الفيروس المخلوى التنفسى) ليست بالحدة التى يظهر بها فيروس كورونا، ولكن فى حالة استمرار ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض نسبة الأكسجين فى الدم، فيجب عرض المريض على الطبيب المختص للتعامل مع الحالة وعدم الانتظار لتفاقم الأعراض، وخاصة إذا كانت الإصابة لكبار السن أو أصحاب المناعة الضعيفة والأمراض المزمنة.
وأضاف الدكتور طعيمة أن الوقاية خير من العلاج، فيجب على الأسر حماية أبنائهم من الإصابة بالأمراض التنفسية عن طريق الحفاظ على نظافة أيدى وملابس الأطفال.
رابط دائم: