رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

إعلان الجزائر والمصالحة الفلسطينية

أشاع إعلان التوصل إلى اتفاق للمصالحة بين الفصائل الفلسطينية فى الجزائر يوم الخميس الماضى حالة من البهجة الغامرة لدى كل من يعتبر القضية الفلسطينية همه الأول، وكيف لا والمصالحة الوطنية الفلسطينية هى السبيل الأهم لإحداث نقلة نوعية إلى الأفضل للقضية الفلسطينية التى شهدت تراجعا ملحوظا فى السنوات الأخيرة نتيجة الانقسام الفلسطينى، وتغير الأولويات العربية وتغول إسرائيل وأطراف دولية نافذة على حق الشعب الفلسطينى فى أرضه ومقدساته، وكيف لا وراعية المصالحة هى الجزائر الشامخة التى تبذل قصارى جهدها كى تهيئ للقمة القادمة التى ستستضيفها على أرضها أفضل ظروف للنجاح بعد غياب تجاوز ثلاث سنوات، غير أن المرء لا يمكنه أن ينتزع نفسه من هواجس الماضى منذ وقع الانقسام الدموى بين حركتى فتح وحماس فى ٢٠٠٧، ذلك أنه منذ تلك السنة الكئيبة وحتى الآن تكررت محاولات المصالحة فبلغ عددها ١١محاولة بمعدل محاولة كل٩أشهر تقريبا. تعددت أماكن هذه المحاولات ما بين عواصم عربية أهمها القاهرة ومكة وصنعاء والدوحة وبيروت وأخيراً الجزائر، ومدن غير عربية كاسطنبول وموسكو، واختلفت الأطراف المشاركة فيها من الاقتصار على طرفى الانقسام المباشرين أى فتح وحماس إلى شمول جميع الفصائل الفلسطينية كما حدث فى جولة الجزائر الأخيرة، وتنوعت بياناتها الختامية ما بين الإشارة إلى مبادئ عامة يلتزم بها الجميع وحلول تفصيلية وصلت إلى حد تسمية الوزراء فى حكومة للوحدة الوطنية وأعضاء للجان إشرافية تتابع ما اتُفق عليه، وتضمنت النتائج توافقات على أمور تكررت بحذافيرها فى كل البيانات الختامية التى تمخضت عنها هذه المحاولات كالالتزام الصارم بالحوار من أجل إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية، والاتفاق على برنامج وطنى جامع تنفذه حكومة للوحدة الوطنية، وإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، وثالثة للمجلس الوطنى الفلسطينى فى الداخل والخارج تُجرى فى غضون سنة كحد أقصى، وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية لتشمل جميع الفصائل الفلسطينية، ومع ذلك فلا شىء يمكث فى الأرض فعليا، فلا نتائج الحوار دامت، ولا حكومات الوحدة الوطنية صمدت أو حتى شُكلت، ولا البرنامج الوطنى الجامع خرج إلى حيز الوجود، ولا الانتخابات أُجريت، ولا المنظمة طُورَت، ومن ثم فمن حق كل مخلص للقضية الفلسطينية أن يعتريه القلق على مستقبل محاولة الجزائر بقدر ابتهاجه بنجاحها فى جمع كلمة الفصائل الفلسطينية، وليس فى هذا الاستعراض للخبرة الماضية أى شبهة للتأسى بسلوك «عواجيز الفرح»، وإنما هو محاولة لجذب الانتباه إلى ضرورة التفكير الموضوعى فى أسباب ما جرى لعلنا ننجح هذه المرة فى تفاديها وتجنيب إعلان الجزائر مصير المحاولات العديدة التى سبقته.

وثمة تفسير سريع وجاهز يدفع به البعض عادة يفسر ما جرى بالعوامل الخارجية التى تعود بطبيعة الحال إلى أعداء القضية الفلسطينية، ورغم أنه من البديهى أن يعمل أعداء الحق الفلسطينى وعلى رأسهم إسرائيل ومن خلفها على تخريب أى جهود للمصالحة الفلسطينية فإن هذا لا يمكن أن يكون السبب الرئيسى لاستدامة الانقسام، بل إن وجود هؤلاء وأفعالهم يجب أن يكون فى حد ذاته سببا للمصالحة لمواجهتهم واستخلاص الحقوق منهم، أما تقديرى الذى أتمنى أن يكون خاطئا فهو أن الانقسام قد بُنى على خلاف حقيقى فى النهج الواجب اتباعه لإنجاز التحرر الوطنى، وقد تطور هذا الخلاف حتى أفرز الصدام الدموى الذى أفضى بدوره إلى انشطار السلطة جغرافيا، ثم رتب هذا الانشطار أوضاعاً ومصالح سوف تتهدد بزواله، ولا أريد أن أًفَجر قضايا أعلم يقيناً أنها صحيحة لكنى لا أملك دليلا موثقا عليها، لكنى أكتفى هنا بالحديث عن الانتخابات التى تكرر النص على إجرائها فى كل محاولات المصالحة، لكنها لم تُجْر أبدا، والسبب أن آخر انتخابات رئاسية وتشريعية قد أُجريت من أكثر من١٥سنة، وفى هذه المدة اختُبِرَت سياسات وشخصيات وظهرت أجيال جديدة، وتغيرت الظروف، وبالتالى فمن البديهى أن أى انتخابات نزيهة ستسفر عن موازين جديدة للقوى على نحو يصيب الممسكين بزمام الأمور على الجانبين بالضرر بدرجة أو أخرى، ولذلك فهم لا يجرؤن على معارضة الانتخابات باللسان، لكنهم يعوقونها عملاً، وما أسهل إيجاد الذرائع لعدم إجرائها كالتعلل بأنه ما لم تُجْر انتخابات فى القدس فلا انتخابات، علما بأن القرار فى هذا الصدد بيد الاحتلال، وما أسهل التحايل عليه، لكن استمرار الحلقة المفرغة للانقسام مطلوب من البعض على الأقل.

بقيت ثلاث ملاحظات أحسبها مهمة أولاها أننى نظرت إلى الوجوه التى شاركت فى صنع المصالحة الأخيرة فوجدتها هى ذاتها تقريبا التى شاركت فى كل المحاولات السابقة، بل إن بعضها على الأقل لعب دورا أساسيا فى تفجر الخلاف واستدامته، والسؤال مشروع عن مدى قدرة من صنع خلافا وشارك فى استدامته على حله، والملاحظة الثانية أن١٤فصيلا شارك فى التوقيع على إعلان الجزائر، والاستنتاج الأليم أن الانقسام ليس مقصورا على فتح وحماس وحدهما، وإلا فما هو يا ترى مبرر وجود كل هذا العدد من الفصائل فى معركة ،العدو فيها شديد الوضوح والهدف أوضح والمخاطر على فلسطين تنهال من كل حدب وصوب، ولقد ذكرنى هذا مع اختلاف السياق بالمفكر القومى الكبير ساطع الحصرى حين سُئل بعد حرب١٩٤٨كيف تُهزم سبع دول عربية من دولة واحدة؟ فأجاب بأنها هُزِمت لأنها سبع تواجه دولة واحدة، فهل نطمع فى أن تبادر هذه الفصائل التى لا يوجد بينها من الخلاف ما يوجد بين فتح وحماس، وبعضها ذو أياد بيضاء فى الحركة الوطنية الفلسطينية بتوحيد صفوفها؟ والملاحظة الأخيرة أننى افتقدت فى هذه المناسبة المهمة أى وجوه شابة، والشباب هم المستقبل وغيابهم يجعله ملبدا بالغيوم، فاللهم انصر الفصائل الفلسطينية على نفسها كى تنتصر على عدوها.


لمزيد من مقالات د. أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: