رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حكاية من 72 سنة!

قال حكيم وهو ينصح ابنه الذى يغادر قريته النائية إلى معاهد العلم فى المدينة الكبيرة: اجعل أيامك أمامك وليس خلفك.

لم يفهم الابن كلمات أبيه فسأله: كيف للمرء يا أبى أن يجعل أيامه أمامه؟

أجاب الحكيم: أن تتعلم طول الوقت، وأن تعيش عصرك لآخر قطرةِ معرفةِ فيه، لا تركن إلى أعمال فى الماضى أيا كانت، تعلم الجديد دوما حتى آخر لحظة فى عمرك، يا بنى لا يوجد ماض ذهبى، وإلا ما تقدم العالم وظل على سيرته الأولى من قديم الزمان.

قرأت هذه الحكاية صغيرا ولم أعرف هل أخذ بها الابن أم ألقاها خلف ظهره، وهل نحن المصريين عموما نعمل بهذه الحكمة أو لا نعرفها أصلا، وما معنى أن يفضل قطاع عريض منا العودة إلى الخلف، لعل القديم من أقوال وتفسيرات ونظم ومعارف تبنى لنا مستقبلا أفضل.

بالقطع ليست هذه دعوة للقطيعة مع الماضى أو إهمال تجاربه وخبراته ومعارفه، فالأيام تدور تباعا، والتقدم يتراكم على ما سبق، ولهذا أعود من وقت لآخر إلى كتبى القديمة، ليس من باب الحنين إلى الماضى، وإنما لاختبار معارفها على مناهج البحث الحديثة، وقبل أيام أعدت قراءة كتاب (من هنا نبدأ) لـ(خالد محمد خالد) بمناسبة مرور 72 سنة على صدور حكم إلغاء مصادرته، صحيح أن الكاتب عدل عن أفكاره الواردة فى الكتاب فى آخر حياته، وأصدر كتابا يناقضه، لكن مغزى القضية ـ المصادرة والإفراج ـ يظل شاهدا على أحوال معوجة وتجربة مجتمع يبدو أنه يتحرك فى دوائر وليس فى خطوط مستقيمة. صدر الكتاب فى فبراير 1950، من أربعة فصول، الأول: الدين لا الكهانة، عن رجال الدين ودورهم فى حياة الناس، الثاني: الخبز هو السلام، عن الفقر والتفاوت الطبقى والعدالة الاجتماعية، وأن مفتاح حلها ليس التبرعات والصدقات، الثالث: قومية الحكم رافضا الحكم الدينى ومبينا سيئاته، الرابع: الرئة المعطلة عن وضع المرأة وحرمانها من التعليم والعمل، وأحدثت هذه الأفكار ضجة هائلة، انتهت بسحبه من الأسواق، بناء على بلاغ من (صاحب الفضيلة رئيس لجنة الفتوى بالجامع الأزهر)، متهما الكتاب بحزمة من الجرائم، يمكن أن تجرجر مرتكبها إلى الجحيم وليس إلى السجن فقط، أولها التعدى على الدين الإسلامى والعمل على هدم كيانه وسلب أخص وظائفه وهى الهيمنة على شئون الحياة وتدبير وإقامة أمور الناس فيها على أسس العدل والاستقامة، كما صور الكتاب الحكومة الدينية بخصائص وغرائز من شأنها أن تبعث فى النفوس محاربة هذا النوع من الحكم، وأن ما قام به النبى صلى الله عليه وسلم من قيادة الجيوش والمفاوضات وعقد المعاهدات وغيرها من مظاهر السلطة لم تكن إلا بحكم الضرورات الاجتماعية لا الدينية، ولم تكن من عناصر الرسالة، وأن رجال الحكومات الدينية التى انقرضت كانوا يستغلون القرآن استغلالا سيئا ويسفكون دم المسلمين متسلحين ببعض الآيات والأحاديث النبوية بما لها من وجوه ومعان عدة.

ثم تراوحت بقية الاتهامات بين الترويج علنا إلى تغيير النظم الأساسية للهيئة الاجتماعية بالقوة والإرهاب، وتحريض طائفة من الناس على بعض طائفة الرأسماليين والازدراء بهم، ومن شأنه تكدير السلم العام.

لكن القاضى الجليل حافظ سابق رئيس محكمة القاهرة الابتدائية أفرج عن الكتاب فى 27 مايو 1950، بحيثيات، تتجاوز أسباب عدول الأستاذ خالد عن أفكار الكتاب، الذى قال إنه كتبه تحت تأثير فهمه للحكومة الدينية فى التاريخ المسيحى الأوروبى، وتحت ضغط عمليات القتل التى لجأ إليها التنظيم السرى للإخوان المسلمين بعيدا عن تعاليم حسن البنا، ولم يكن تبريره صحيحا، فالدولة الدينية فى العصر الحديث تختلف كليا عن الدولة الدينية فى القرون الوسطى، فلم تعد حكما مباشرا، وإنما هى منهج تفكير خاضع لسيطرة رجال الدين.

نعود إلى حكم القاضى، وقد فند بلاغ رئيس لجنة الفتوى بالجامع الأزهر، وقال: حيث إن الدين شيء، ودعاة الدين شيء آخر، ولا يعد الطعن فى هؤلاء الدعاة أو فى الحكومات الدينية طعنا فى الدين، فالدين حقائق خالدة ثابتة، أما هؤلاء الدعاة ومتولو شئون هذه الحكومات فهم بشر من الناس يصيبون ويخطئون، كما أن الكاتب قال صراحة إن مقام الرسالة أرفع مقاما من ممارسة الحكم، وأن الرسول كان يحس إحساسا واضحا بمهمته ويعرفها حق المعرفة وهى أنه هاد وبشير وليس رئيس حكومة، وقد جاء الوحى مفصلا قاطعا فى كل ما يخص ذات الله ووحدانيته وصفاته وكيفية عبادته، ولم يكن كذلك فى كل ما يختص بالنظم الاجتماعية للأسرة والقرية والمدينة والدولة منفردة ومرتبطة بغيرها من الدول. وقال إن المؤلف لم ينف الزكاة، وهو لم يحقر الصدقة بل حقَّر المسألة، ردا على هؤلاء الذين يقولون إن الصدقة نظام اقتصادى واف ووسيلة ناجحة لمحاربة الفقر وإسعاد الشعب، ومن يستمع إلى هذا الرأى قد يصدق أن الصدقة هى كل ما يستطيع الإسلام أن يقدمه للشعوب من عدالة ومساواة، بينما الإسلام دعا إلى العدل والتكافل الاجتماعى، ولم تكن الصدقة فى حسابه قط كوسيلة تنهض بها الشعوب، فالدين يمجد العمل ويأمر بأن يأخذ العامل حقه دون أى انتقاص منه.

وقد تبين للمحكمة أن الكاتب لم يدع إلى إزالة كل فارق وحاجز بين الناس، فهذا أمر مستحيل وإنما يدعو إلى تقريب المسافات الفاصلة بين طبقتى الأمة وتوزيع الفرص على المواطنين توزيعا يقضى على التفاوت الذى يشطر وحدتها النفسية والفكرية، وهذا نقد مباح لا يفيد التحريض.

وحيث إن حرية الرأى مكفولة فى حدود القانون قررنا إلغاء الأمر الصادر بضبط الكتاب.

يا الله.. هل الزمن يتحرك  فعلا عندنا؟.


لمزيد من مقالات نبيل عمر

رابط دائم: