رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

وقفات حول حديثى فى جامعة أكسفورد

أكدت رحلتى الأخيرة إلى انجلترا كم هو مهم وضرورى أن ننفتح على العالم الخارجى وأن ننشئ مزيدا من قنوات الحوار والتواصل مع أبناء الحضارات والثقافات الأخرى، وأدركت كم هو ضرورى ونافع للإسلام ألا نكتفى بشجب ورفض حملات التزوير والتشويه التى تتزعمها جماعة الإخوان الإرهابية بحق مصر والمصريين أمام الدوائر الإعلامية والسياسية الغربية، بل علينا أن نواجه العالم بالحقيقة المؤيدة بالدليل والمثبتة تاريخيا بالوثائق، أن الإخوان جماعة إرهابية تتعطش إلى سفك الدماء ونشر الخراب، وقد أثبتت أصداء هذه الزيارة أن كلمة الحق المدعمة بالحجة والدليل والبرهان والوثائق، لها وقعها وأثرها الإيجابى المؤثر القوى فى تبديد ظلمات تلك الجماعات الإرهابية، وقد أكدت فى أثناء محاضرتى بجامعة أكسفورد عددا من المعانى التى يجب أن تلتفت إليها الدوائر الغربية خاصة الإعلامية عندما يأتى الحديث عن القضايا الكبرى فى الإسلام، من أهم هذه المعانى أن تدقق وسائل الإعلام فى مصادر تلقيها وعمن تتلقى معلوماتها الدينية، فمن المؤسف حقا ونحن فى عصر التخصصية والمؤسسية أن نرى أن الحديث فى المجال الدينى مفتوح على مصراعيه للجميع بما فى ذلك الإرهابيون والمتطرفون وأصحاب الفتاوى الشاذة التى تنتهج نهجًا مخالفا ومغايرا تماما لنهج المؤسسات الوسطية المعتدلة وفى مقدمتها الأزهر الشريف وهى أكبر مرجعية إسلامية على مستوى العالم الإسلامى، وكان لمنهجها الوسطى المعتدل أكبر الأثر فى دعم قيم التعايش والأمن والسلام والتفاعل والتعاطى مع جميع الحضارات، بخلاف الثقافة المتشددة التى تنشرها الجماعات الإرهابية مثل الاستعلاء والولاء والبراء ونشر الدين بالسيف وغيرها من القيم العنيفة التى تقوض دعائم التعايش والتعاون، وتعلى من قيمة العداء والصدام حتى كأنه الأصل عندهم فى العلاقات الإنسانية، وكل هذه المفاهيم المغلوطة تولدت من فهم قاصر للدين ولوظيفته فى الحياة، وتولدت عن عدم إدراك صحيح لطبيعة الإسلام وسماحة الرسالة المحمدية التى أرسل بها الحبيب صلى الله عليه وسلم رحمة ونورا وهداية للعالمين، وقد يتوهم البعض أن مطالبتنا بقصر الحديث فى الشأن الدينى خاصة الفتوى على المرجعيات الرسمية المعتمدة هو من قبيل المصادرة أو الحجر على رأى الآخرين، والأمر على العكس من ذلك فنحن مع حرية الرأى والفكر مادام الرأى والفكر متوافقا مع مقاصد الشريعة الإسلامية وحاضا على نشر السلام والقيم الإنسانية النبيلة، أما إذا تحول الرأى إلى قتل ودم وتفجير وصدام واستحلال فإن مجرد تسمية هذا العنف رأيا أو فكرا أمر يحتاج إلى مراجعة.

فمن غير المبرر أبدا بل من التناقض الواضح أن تتحد كلمة العالم فى الحرب على الإرهاب، ثم نجد للأسف من يفسح للإرهابيين مساحات إعلامية ينشرون فيها أفكارهم المتطرفة ويروجون لفتاواهم الشاذة، ولقد بينا فى هذه المحاضرة تلك الفروق الهائلة بين صناعة الفتوى فى مؤسسة دار الإفتاء المصرية وبين العشوائية التى تنتهجها جماعات التأسلم السياسى، وأثبتنا للجميع أن الفرق يتضح فى الآثار المدمرة الناتجة عن فتاوى تلك الجماعات والآثار الإيجابية البناءة الناتجة عن فتاوى دار الإفتاء والمؤسسات الدينية، وهو راجع بطبيعة الحال إلى البون الشاسع بين المنهجين وبين الفكرين.

وعلى دوائر الإعلام والنشر فى جميع المؤسسات أن تتوخى الحذر وألا تخلط بين حرية الرأى وحرية الإرهاب، ولقد أوضحنا أن صوت الوسطية والاعتدال والإسلام الصحيح قادر على أن يسكت تلك الأصوات الشاذة التى لا تمت إلى الدين بصلة، وأن رسالة الوسطية التى تتبناها دار الإفتاء المصرية وتعمل على نشرها هى الضمانة الأكيدة لتحقيق الأمن والسلم فى ربوع العالم، من خلال نشر الفتاوى العلمية المؤصلة الناتجة عن صناعة دقيقة تبنى على إدراك الواقع وفهم علومه وأحواله فهما صحيحا، ثم تأتى مرحلة تكييف الواقعة حتى نبحث لها عن دليلها الصحيح المناسب وفقا لمنهجية أصول الفقه المعروفة عند أهل العلم مع مراعاة المقاصد الشرعية، ثم تأتى مرحلة الاستدلال الدقيق، ثم مرحلة التنزيل على الواقع مع مراعاة الآثار من مصالح ومفاسد والنظر فى المآلات، وهذا النمط من الصناعة الفقهية الدقيقة وهو منهج تسير عليه دار الإفتاء المصرية فى جميع الفتاوى المعروضة عليها.

ودار الإفتاء المصرية تدرب العلماء وتعد الكوادر من جميع أنحاء العالم من أجل أن ترسخ فيهم هذا المنهج، حتى يكونوا حصانة للدين والإنسانية من فتاوى التطرف والإرهاب، وهذه المنهجية الرصينة تجعل الدين كما أنزله الله تعالى وأراده حلا للمشكلات وسببا فى الإعمار والبناء والتنمية، وهذا المنهج لا تدرى عنه جماعات التطرف والإرهاب شيئا لأنها لو عرفته واتبعته لما وقعت فى براثن الإرهاب والعنف، هذا وقد كان هذا العرض محل تقدير وقبول واحترام من جميع الحاضرين بجامعة أكسفورد إحدى أعظم الجامعات البريطانية، ولا شك أن هذا القبول يعطينا الأمل ويدفعنا إلى مزيد من البذل والعطاء من أجل محاصرة الأفكار المتطرفة فى العالم كله، فقد أصبحت المواجهة الفكرية وجهاد الكلمة فى الداخل والخارج هما واجب الوقت الذى ينبغى أن ينهض له العلماء بهمة لا تعرف الفتور ولا التوانى، والعالم كله بحاجة ملحة إلى أن يسمع قول الحق بالحجة الهادئة والبرهان القاطع وبالحقائق الموثقة، وعندها لا يملك إلا الإذعان والتصديق والانسياق خلف الحجة والدليل، فقضية الإسلام قضية حق عادلة، لكنها تحتاج إلى الداعية الحاذق والمحامى الماهر، وعندها سوف تلوح فى الأفق أنوار الحق وينهزم الباطل، فالإرهاب ليس دينا ولا نظاما إنسانيا إنها صولة شيطان باطلة وإن كيد الشيطان كان ضعيفا.


لمزيد من مقالات د. شوقى علام

رابط دائم: