رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عن المتحاورين وتوجهاتهم

منذ إطلاق الرئيس عبد الفتاح السيسى دعوته إلى الحوار فى 26 أبريل 2022، جرت مياه كثيرة فى بحر السياسة المصرية وشارك حزبيون ومثقفون يتبنون وجهات نظر تُعارض سياسات الحكومة فى برامج حوارية فى القنوات التليفزيونية المصرية بعد غيبة أو اختفاء لعدة سنوات، وكان ذلك فى حد ذاته تعبيرا عن حالة جديدة من الحراك السياسى التى تشهدها مِصر. وتنافس كثير من الهيئات العامة فى إصدار بيانات ترحيب بالحوار وإعلان استعدادهم للمشاركة فيه، ونظم بعضهم محاضرات وندوات حول القضايا التى ينبغى أن يناقشها الحوار من وجهة نظرهم. وامتلأت الصحف ووسائل التواصل الاجتماعى بمئات المقالات والآراء فى موضوع الحوار. وكل هذه الأنشطة هى تعبير عن الحيوية السياسية والاجتماعية فى مصر وعن حالة الاشتياق إلى إبداء الآراء المخالفة وهو حوار مجتمعى ضرورى، ولكنه ليس الحوار الذى دعا الرئيس إليه وكلف الأكاديمية الوطنية للتدريب بالإعداد لتنفيذه. ويُمكن اعتبار النقاشات الجارية فى عديد من الهيئات الآن هى بمثابة أعمال تحضيرية ومُداولات تمهيدية للحوار المُرتقب.

من المهم أن ندرك جميعًا أن أى حوار يتم بين أصحاب رؤى ووجهات نظر مختلفة، وأنه بقدر تنوع هذه الرؤى واختلافها، تبدو الحاجة إلى الحوار الذى يجمع بينها حول مائدة واحدة بهدف تحديد القواسم المُشتركة بينها، أى العناصر والأفكار المُتقاربة بين أطراف الحوار والتى يُمكنُ البناء عليها والاستزادة منها. فهذا التقارُب يصبُ فى مصلحة الوطن وزيادة قدراته على مواجهة التحديات الجسام الراهنة والمستقبلية. فمِصرُ وأغلب دول العالم تُواجه عددًا من التحديات والمشاكل المُتزامنة. فمن يُصدق مثلًا أن الدولة صاحبة أكبر اقتصاد فى العالم وهى أمريكا تشهد الآن نقصًا فى حليب الأطفال أو أنه فى فرنسا وألمانيا تبيع المحال زجاجة زيت طعام واحدة لكل فرد.

وإزاء هذه الظروف، فمن الضرورى أن يتسلح الرأى العام بالمعلومات والمعرفة بطبيعة هذه التحديات وأن تتحاور القوى السياسية والاجتماعية الفاعلة بشأن حلولها وأن تزداد رقعة التوافُق بينها حول هذه الحلول بما يُدعمُ الجبهة الداخلية والاصطفاف الوطنى. ولا بُد أيضًا من إدراك أن المُشاركين فى هذا الحوار سواء من الذين يؤيدون سياسات الحكومة أو المعارضين لها ليسوا فئة أو مُعسكرًا واحدًا بل تتنوع مشاربهم وتوجهاتهم، وهو الأمر الذى يمكن استخلاصه من متابعة المقالات والتغريدات المكتوبة والمشاركات التليفزيونية.

فالمؤيدون لسياسات الحكومة ليسوا صنفا واحدا، فهناك من ارتبط ببعض هذه السياسات ارتباطًا مُباشرًا وشارك فى صنعها ودافع عنها. ومن الأرجح أنه سيكون من الصعب على هؤلاء تغيير مواقفهم بل سوف يسعون ـــ وهذا من حقهم ـــ إلى شرح الأسباب التى دفعتهم لتبنى هذه السياسات.من بين هؤلاء، هُناك مجموعة تعتقد أنه كانت هُناك أسباب موضوعية دفعت إلى تبنى سياسة ما فى الماضى وأن هذه الأسباب لم تعُد قائمة، وأنه من الضرورى مُراجعتها وإعادة النظر فيها على ضوء الظروف الجديدة. وهناك مجموعة أُخرى تؤيد التوجهات الاستراتيجية للدولة ولكنها تختلف مع بعض السياسات التى تبنتها الحكومة لتحقيق هذه التوجهات أو أن لها انتقاداتها على أداء أحد الوزراء والنتائج التى حققها. ويعتقد المُنتمون إلى هذه المجموعة أن ثِمة سياسات وأساليب وبرامج عمل أخرى تحقق الأهداف الاستراتيجية للدولة بطرق أكثر نجاحًا وفاعلية.

وبنفس المنطق، فإن الذين يختلفون مع سياسات الحكومة ويُعارضونها يتوزعون أيضًا بين أكثر من اتجاه. فهناك من ينطلق من واقع ما تحقق فى مصر فى السنوات الأخيرة، ويطرح عددًا من أفكار الإصلاح فى المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بينما يوجد أصحاب الأيديولوجيات الكلية، الذين يطرحون سياسات وبدائل مختلفة نوعيًا عن تلك المتبعة الآن. لذلك، فإن بعضهم رفض فكرة الحوار أصلا وشكك فى جدواها. كما تختلف مواقف المُعارضين وفقًا لتوجهاتهم الفكرية، فمنهم من يدعو إلى مزيد من تدخُل الدولة للدفاع عن الفُقراء وزيادة البرامج التى تُحقق العدالة الاجتماعية، وفى المُقابل هُناك من يُعطى الأولوية للحُريات الاقتصادية ودور القطاع الخاص باعتباره قاطرة التنمية.

وهناك فريق ثالث من الأشخاص الباحثين عن دور والمتطلعين إلى أضواء الشهرة، والذين يكونون على استعداد لاتخاذ أكثر المواقف تطرفًا وحدية سواء مع الحكومة أو ضدها. وهؤلاء فى اعتقادى من أكثر العناصر خُطورة على الحوار، فبعضهم لا يتورع عن استخدام أشد الألفاظ قسوة فى وصف مُخالفيهم فى الرأى. وهذه الفئة تدعى نظريًا أنها تُرحب بالحوار واستعدادها للمُشاركة فيه، ولكنها فى الواقع تقوم بإفساده وتعطيله وإفراغه من محتواه.

كل هذه الاتجاهات موجودة فى مصر، وفى أغلب دول العالم، ولا ينبغى أن يكون فى وجودها مبعثً للقلق أو سبب للتخلى عن نهج الحوار. فكلما اتسعت مساحة حرية التعبير عن الرأى لابد أن تحدث أخطاء فى الممارسة ومزايدات فى الرأى. فهذا أمر طبيعى، وتصحيحه لا يكون بإيقاف الحوار وتقييده بل الحفاظ عليه. فهذه الآراء قد تكون جذابة للوهلة الأولى لكن سُرعان ما يكتشف الناس أنها فوضوية وهدامة، وأنه من شأنها إيقاف الحوار، وأنها لا تمتلك الأسانيد الموضوعية فيتراجع تأثيرها وتبقى آراء العقلاء من المؤيدين والمُعارضين لسياسات الحكومة.

نحنُ مع الحوار كنهج وأسلُوب فى إدارة المُجتمع والدولة. فالتنوعُ سمة مرافقة لاتساع المجال العام، والأخذ بمزيد من الممارسة الديمقراطية، وهو تنوع يمثل مصالح واتجاهات اجتماعية قائمة، من الأفضل أن يتم التعبير عنها سلميًا وعلنيًا وأن يدخل كل منها فى نقاش موضوعى مع المصالح والاتجاهات الأخرى، حتى يصل المجتمع إلى توافق أو رضاء عام حول أهداف وأولويات المرحلة التى يمر بها.


لمزيد من مقالات د. على الدين هلال

رابط دائم: