رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أسئلة إلى العبد الصالح «14»

 قال الغريب: التوسل بالآخرين مذكور فى القرآن، مثل التوسل بالرسول عليه الصلاة والسلام فى قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) [النساء: 64].. ومثل قوله: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ [محمد: 19].. إلخ.

العبد الصالح: هذا ليس توسلا، بل دعاء واستغفار من الرسول لأتباعه عليه الصلاة والسلام.. والله تعالى قد يقبل وقد يرفض حتى لو كان المستغفر لطائفة منهم هو الرسول عليه الصلاة والسلام، بنص القرآن الكريم: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [التوبة: 80]. 

وأضاف يس: هذا من قبيل دعاء الأحياء للأحياء، ودعاء الأحياء للأحياء ليس توسلا.. وعندما تطلب من الآخرين من الأحياء أن يقوموا بالدعاء لك، فهذا ليس توسلا، وليس من قبيل التوسط بغير الله تعالى. فكلنا ندعو الله لبعضنا البعض.  

العبد الصالح: التوسل هو اتخاذ الولى أو الشيخ أو أى أحد فى الدنيا او عالم الغيب وسيلة للتقرب من الله.. أو التوسل به إلى الله لكى يشفينى أو يغنينى أو يفرج لى أمرا. يا بُنى ارجع إلى مواقف الأنبياء والصالحين سوف تجدهم يتوجهون إلى الله مباشرة، فعندما تم ابتلاء أيوب عليه السلام.. توجه لربه مباشرة بالدعاء: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّى مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) [الأنبياء: 83، 84].  وعندما وقع ذو النون فى مأزق لا مخرج منه، لم ييأس وتوجه إلى ربه مباشرة: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِى الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّى كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِى الْمُؤْمِنِينَ) [الأنبياء: 87، 88]. وزكريا عليه السلام لم يتوسل بنبى ولا ملك ولا ولى لكى يحقق مطلبه: (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِى فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِى الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) [الأنبياء: 89، 90]. لاحظ هنا أن الوحى الكريم يذكر أسباب الاستجابة فى كل مرة، وليس من بينها التوسل بغير الله تعالى، ففى حالة زكريا وأهله، على سبيل المثال، ذكر تعالى: (...إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِى الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ).. إذن هنا بنص واضح، توجد ثلاثة أسباب للاستجابة للدعاء، هي: 

1- المسارعة فى الخيرات.

2- دعوة الله تعالى مباشرة رغبا ورهبا.

3- الخشوع الكلى لله تعالى.

لاحظ هنا -مرة أخرى- أن العمل الصالح بمفهومه الشامل جاء فى مقدمة أسباب استجابة الدعاء؛ حيث ذكر المسارعة فى الخيرات. وهذا التعبير لا يؤكد فقط الدور الجوهرى للعمل الصالح، بل يؤكد مفهومه الشامل (الخيرات) بكل أنواعها الدنيوية والدينية، سواء كانت من أعمال الحياة اليومية أو من أعمال الطقوس، وسواء كانت من أعمال الوظيفة والمهنة أو أعمال العبادات الصرفة أو غيرها. فكل عمل نافع هو من الخيرات.

يس: أتفق معك – أيها العبد الصالح- وأزيد أنه لا يملك أحد لنفسه نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله، حتى النبى محمد عليه الصلاة والسلام ينطبق عليه هذا، بنص الوحى الكريم: (قلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [الأعراف: 188]. 

أيها الغريب.. تدبر الوحى الكريم، إن آياته واضحة، ودعك من كلام منقول عن بشر.. دعك من إرث متوارث فى ورق أصفر.. إن العقائد لا تؤخذ إلا من الكتاب المبين.. والكتاب المبين ينكر أن يسمع الأولياء الموتى دعاء من يتوسلون بهم عند قبورهم، كما ينكر أن يسمع هذا الدعاء كل من كان بعيدا من بشر أحياء أو ملائكة أو جن أو غيرهم، إن نصوص الوحى مستفيضة فى إنكار ما تقول أيها الغريب، انظر إلى قوله: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ. إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ) [فاطر:13-14]. أيها الغريب، إن الوحى وصف هذا بأنه شرك، بل وعده ضلالا: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ. وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ) [الأحقاف:5-6]. 

العبد الصالح يترنم فى خشوع: (إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [الأنعام: 79].

 

-------------------------------------

 أستاذ فلسفة الدين ــ رئيس جامعة القاهرة ــ عضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية


لمزيد من مقالات د. محمد الخشت

رابط دائم: