رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

(سمت شيرين) ذوق لم يخرج من العرب!

وما التأنيث لاسم الشمس عيب .. ولا التذكير فخر للهلال، وقد حظيت الشهيدة الراحلة (شيرين أبو عاقلة) على صورة ذهنية راقية أصبحت فخرا للمرأة العربية فى جديتها مع ذوقها، وهدوئها مع عمقها، وحزنها مع نبلها، فكان «سمت شيرين» على وجهها الصافى يوحى بالوقار والرزانة والراحة، ويحمل صوتها الحزين وإيقاعها الموزون، هم قضية بلادها العادلة، ومظلومية شعبها المناضل من أجل الحياة، «سمت شيرين» شكلا وموضوعا معادل للصبر الجميل فقد جسد بلا تكلف الألم والمعاناة لحال الناس تحت الاحتلال، والعنصرية البغيضة ومقاومة الظلم وتجديد الأمل لسلام عادل.

شاء القدر أن يجعل من الإعلامية الرقيقة المتفانية فى خدمة عملها ووطنها أيقونة إنسانية خالدة، كأساطير الإغريق، عندما اغتيلت غدرا أمام العالم، لتجبره أن يفعل شيئا إزاء هذا العدوان الذى يتغافل عنه 70 عاما!، فى أطول احتلال عنصرى فى العصر الحديث، أيقظت الحادثة ضمير العالم الذى يطالب بتحقيق دولى محايد، لن تسمح به إسرائيل كالعادة، ولكن سيفرض عليها قبول السلام شاءت أم أبت أحلام التوسع والاستيطان العنصري!

ليست (شيرين) الضحية الأولى للاحتلال، ونتمنى أن تكون الأخيرة، وتستجيب إسرائيل لدعوات السلام العربية المتوالية، فلا أفق لسياستها العدوانية التى راح ضحيتها 100 ألف فلسطينى منذ النكبة عام 1948، وأكثر من مليون أسير بعضهم أمضى بالحبس أكثر من 25 عاما، وكل هذا العذاب والهوان لم يزد الفلسطينيين إلا ثباتا وإصرارا على نيل حقوقهم المشروعة، ولا يزيدهم التوحش إلا قناعة أن العنصرية الفاشية تستدعى المقاومة، وما ضاع حق وراءه مطالبة، وعلى العالم أن يتدخل ليجد حلا جذريا لوقف دائرة العنف التى تغتال الإنسانية يوما بعد يوم!

روعة الراحلة أنها بنت زمانها فى الوسيلة الإعلامية التى اتخذتها لتعبر عن آلام الناس، فالصورة والتعليق الهادئ وصوتها الحزين أوجدت بيئة للرأى العام، يصدقها بلا تكلف، فهى لم تتورط فى إيقاد الفتن وإثارة الأحقاد البيئية، بين الأنظمة والشعوب، ولا بين المذاهب أو الأعراق، وقدمت بسلاسة الصور من أرض الواقع بحيادية، تكشف الانحياز التام للحق، وفق الحقل المعرفى الذى تنطلق منه، بنقل الواقع كما هو، وهو ما يغنى عن كل بيان، وببساطتها السليمة الصادقة أكدت حقيقة هذا الواقع، مثلها مثله، لا يخفيه أدوات التجميل والتبرج والأكاذيب، وكأنها قديسة زاهدة عن التعالى والتقعر والمبالغة! وما القداسة إلا المصداقية والصبر الجميل!!

لم يكن غريبا هذا الحزن النبيل الذى جمع الأمة العربية مرة أخرى على موقف مشترك، واشتركوا فى ساحة شعورية واحدة، كأن الرصاصة القاتلة أحيت الوعى فى عقولهم، ليتساءل عن مصدر الهوان الذى يستبيح الدم العربي، ويقول مجددا إلام الخلف بينكم إلام وهذى الضجة الكبرى علاما؟! كما قال أمير الشعراء (أحمد شوقي) داعيا للتوحد والتضامن، مما يستدعى تباعا البحث عن مفهوم للوحدة العربية لا يعتمد على الدمج الكامل ووحدة السلطة، إنما تكامل لمصلحة الشعوب ويراعى الخصوصيات.

لن أبالغ إذا قلت إن اغتيال (شيرين) بداية لتجديد بنيوى فى الطرح السياسى والفكرى لدى العرب، فالتأثر من الصدمة وحد الطوائف المسيحية المختلفة ودقت الأجراس فى القدس معاً لأول مرة، كما أعادت الصراع العربى الإسرائيلى إلى موقعه الحقيقى كصراع إنساني، بعد محاولة أسلمة الصراع وتقديم الإيديولوجية الإسلامية بديلا عن القومية العربية، وهو لا هذا ولا ذاك فى جوهره، بل صراع إنسانى يخص الإنسانية بكل قيمها الأخلاقية، لشعب متعدد الأديان ينشد حقه الطبيعى فى الحياة وتقرير المصير ، ومواجهة العنصرية، أيا كانت، واجب إنسانى عام، وقد أصبحت العنصرية الصهيونية خطرا على اليهودية، كما كانت الفاشية والنازية خطرين على المسيحية، ومثلما الإرهاب خطر على الإسلام! وقد بدأت إسرائيل تفقد ميراثها الفكرى الذى يعتمد عليه وجودها، وانتقلت من شعب مظلوم إلى شعب ظالم، يمارس الاضطهاد الذى عانى منه، وأعتقد أن فرص السلام العادل المتاحة، لا يرفضها العقلاء من اليهود، الذين يعرفون أن بقاء المجتمع لا يقوم على قدرته على العدوان، بقدر ما يقوم على قدرته على التعايش!

كتأثير الفراشة المروع فى الظواهر الطبيعية، كان تأثير الحادثة الجليل فجمعت التشرذم العربى على إحساس واحد وعاطفة واحدة وقلب واحد، كمن كان ينتظر خبطة لعودة الوعي!، وتأثير (شيرين) البسيطة الوديعة المهذبة والإجماع عليها أوضح أن الذوق لم يخرج من العرب، (كحسن الذوق) الشيخ الطيب فى مصر الذى تعب من حل مشكلات الناس ومناكفاتهم، فأراد أن يخرج منها، ولكنه عند باب المدينة مات ودفن فى نفس المكان، وهلل الناس أن الذوق لم يخرج من مصر، وإن كان ميتا، إلا أن الذوق لا يموت، كذلك ذوق شيرين لا يموت، وبها لم يخرج الذوق من العرب بعد أن ظننا مع الفضائيات والاتجاهات المعاكسة الشريرة والثورات وغيرها أنه ذهب ولم يعد!


لمزيد من مقالات وفاء محمود

رابط دائم: