رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

آلَام «بِطُلُوع الرُوح» المُنَبِّهَة!

فى عالم الدراما إذ حضر الورق نجى الفن من الغرق، وإذا ما توافر لهذا الورق حضور مخرجٍ واثق من أدواته ومتعايش مع فنه ومكوناته ومُتَسق مع أطروحاته فإن الحياة ستدب فى جنبات الأوراق لتهبها كل ما يلزم من روح حتى تستحيل فُلكًا قادرة على أن تحملنا إلى آفاق العوالم المقصودة لنعايشها عبر لحظات المشاهدة، وهذا تمامًا ما صنعه ابتداءً الكاتب الواعى محمد هشام عبية، حين صاغ مسلسله (بطلوع الروح) وحمله إلى مخرجة صاحبة شخصية هى كاملة أبو ذكرى والتى قررت أن تنفخ فى الأوراق من روحها حتى تستحيل صرخة تنبيه فى أفئدة الأنام تسرى عسى أن يتنبه إنسان الألفية الثالثة لحجم تهديد توحش التطرف والإرهاب لمكونات حياته ومسارات واقعه ومستقبله.

فى عالم الدراما مسموح بالاختلاف مع كل الطرح فنًا أو مع تفاصيل مكوناته، لكن فى مواجهة بطلوع الروح وما حملنا إليه من محطات التشوه الإنسانى التى تحكم مجتمع التطرف المثالى داعش فإن ربكة المثول فى حضرة التوحش الذى جسدته صور أبوذكرى تحول دون التوقف عند بعض ما قد يُختلف عليه وفى مقدمته طبيعة شخصية (أم جهاد /منال / إلهام شاهين) على مستوى الحبكة الواقعية وصولًا إلى جودة التجسيد للشخصية، ولكن حالة الإبداع فى التشخيص التى جسدها كل من (منة شلبى /روح)، و(محمد حاتم/أكرم)، و(أحمد صلاح السعدنى /عمر)، بالإضافة إلى معظم الشخصيات الثانوية جميعها بإدارة مخرجة العمل أحالته إلى لوحات متتالية من الواقعية المتوحشة القادرة على أن تُدهشنا حد التكذيب، وتوجعنا حد الإنكار، وتُخيفنا حد الاستغاثة، إنَّه بعض ما صنعت بنا «كاملة أبو ذكرى».

فى عالم الدراما حين يكون المُنتَج فى تفرد بطلوع الروح صناعة ووعيًا، علينا أن نتوقف عند رسالته التى سطرتها نهايته فرحة بالعودة للحياة الطبيعة من أسر التوحش، وقلق على المصير فى عالم قرر أن يدفن رأسه فى الرمال حين يواجهه سؤال المصير (كيف ستتعامل مع الناجيات من جحيم داعش وأطفالهن؟)، السؤال الأوسع انطلاقًا من منصة المسلسل هو (ما هى رؤيتنا للتعامل مع كل الناجين من جحيم تنظيمات التطرف والإرهاب؟)، ففى المسلسل قررت روح أن تتوجه بأوراق مزورة إلى (لبنان) كمحطة انتظار للعودة إلى الوطن، لكنها بين خيارين الأول هو مخيم إيواء حيث مجتمع مغلق لكل نساء داعش وأطفالهن، أو العودة للوطن ليكون مصيرها الاحتجاز لحين البت فى أمرها.

بعيدًا عن الدراما وفى عالمنا الواقعى يبدو العقل الجمعى فى مثل قسوة العقل الداعشى نفيًا لكل من تورط فى حبائل هذه التنظيمات، يجنح الجميع إلى مبدأ النفى بحكم الجريمة دونما نظر إلى أسباب السقوط فى هذا الفخ ابتداءً، وبغير امتلاك لأى تصورات للعلاج، الأمر الذى سيضع الإنسانية كلها فى مأزق عندما تواجه جيلًا من المتطرفين تربوا منبوذين مجتمعيًا وملاحقين أمنيًا، فى حالة تُشبه الإجبار على أن يطور أفراد هذه المجتمعات أدوات تطرفهم وعنفهم فى ظل منظومة دولية ترى فى الإرهاب والتطرف أدوات لصياغة عالم جديد، وفى تقديرى أن حالة الإرث الإنسانى المصرى قادرة على تقديم النموذج الغائب خلال كل العقود الماضية فى معارك الدولة المصرية ضد التطرف والإرهاب، فالدراما تؤكد أن حياة قد اختطفها زوجها لتعيش تجربة الحياة فى عالم داعش، بينما زوجها الذى مارس فعل الخطف حسيًا هو فى حقيقة الأمر مخطوف ذهنيًا من قبل القيادى الداعشى عمر، وهذا الأخير أجرى عليه شيخه نصار عملية اختطاف مماثلة، وعبر هكذا قياس تجرى عمليات الاختطاف باتصال مباشر أو غير مباشر بما يُحدث تشوهًا فى أصل الفطرة الإنسانية، ويغدو على المجتمع السوى أن يدفع عقوله الواعية على مستوى كل التخصصات لإعداد استراتيجية إنقاذ إنسانية تُنقذ المخطوفين وتعالج ما أصاب وعيهم ونفوسهم من خلل خلال تلك الفترة، والأهم هو إنتاج ما يُحصن المجتمع من الوقوع فى شراك الخطف، فلقد نجت «روح» فى المسلسل لكن طريقها لتعود إلى حياتها الطبيعية مازال طويلًا ومهمتنا تعبيده.


لمزيد من مقالات عبد الجليل الشرنوبى

رابط دائم: