رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مخاطر الأفول الأمريكى

تعيش أمريكا اليوم وضعا يمكن وصفه بالتناقض، فهى من ناحية تظل قاعدة التكنولوجيا الجديدة، ركيزة الشركات عابرة الجنسية، والحائزة على أفضل مستويات القوة العسكرية بإنفاق عسكرى ناهز الـ 800 مليار دولار، يتجاوز مجموع إنفاق الدول الخمس عشرة التالية لها، ومن بينها روسيا والصين. وقد أتاح لها شمول قوتها فرصة احتلال موقع شبكى يؤثر فى جميع منافسيها داخل فضائى الجغرافيا السياسية، والاقتصادية، ويجعل مصالحهم معها أهم من مصالحهم معا، ومن ثم يعجزهم عن التحالف ضدها، كما يقضى منطق الجغرافيا السياسية التقليدى. ولكنها، من ناحية أخرى، باتت مرهقة، ديونها ضخمة وأزماتها كبيرة، تناقص نصيبها فى الإنتاج العالمى من 40% عند نهاية الحرب الثانية إلى نحو 18% الآن، بات عرش الدولار كمخزن قيمة وعملة احتياط مهددا من عملات أخرى، بينما الصين تصعد بقوة إلى موقع القطب الاقتصادى الأول ومن خلفها العالم الآسيوى الذى يتسم بديناميكية واضحة، وجغرافيا طبيعية وبشرية ضخمة، خصوصا وقد امتلك التكنولوجيا المتقدمة التى لم تعد سرا، وباقى أدوات التحديث المادى التى لم تعد قصرا على أحد. هكذا تهتز هيمنة الولايات المتحدة أسفل قدميها، فيزداد اضطرابها، وتصبح خطرا على العالم، سوف يمتد لعقود ثلاث قادمة على الأقل، قبل أن تعترف بالواقع العالمى الجديد، وتقبل بمشاركة الآخرين لها مسرح الهيمنة، ولعب أدوار كانت حكرا عليها فى مناطق مختلفة وقطاعات حيوية. فكما أن للصعود الاستراتيجى مسارات وتقاليد، فإن للهبوط أيضا مسارات وتقاليد، كى لا يكون عنيفا ودمويا. لقد ورثت أمريكيا بريطانيا العظمى بعد ثلاثة أرباع القرن من هيمنة إمبراطورية شاملة كانت خلالها سيدة البحار والمحيطات، امتدت طيلة العصر الفيكتورى (1837 ـ 1901). تنازلت بريطانيا عن هيلمانها بحكمة عقب الحرب الثانية، نعم كانت مضطرة لأن عصر التحرر القومى حرمها من مستعمراتها فى أربعة أنحاء العالم، ولم يترك لها سوى جسد ضعيف، جغرافيا ربع مليونية من جزر متعددة، ولكنها تنازلت بسلاسة معقولة لم يشبها مغامرات كبيرة سوى مساهمتها فى العدوان الثلاثى على مصر 1956. أسهم فى ذلك أنها كانت تنزل من مسرح القوة لصالح ربيبتها الأنجلوسكسونية، وأن وريثها الشرعى كان من صلبها الحضارى يقينا، والدينى عموما، والعرقى غالبا. أما أمريكا فلا تزال تمتلك جسدا قويا، نحو أربعين ضعف الجسد البريطاني، قارة غنية بالموارد الطبيعية، لم تُهزم فى حرب قط على أرضها، ولم يكن لديها مستعمرات كى تفقدها، كما أن تنازلها سيكون لعائلة غريبة عنها، عبر الهادى لا الأطلسى. والخوف هنا أن يغطى كبرياء القوة على حكمة التاريخ، فيثير الكثير من التشنجات والاضطرابات. ففى سياق الجدل النفس حضاري، قد تتحول أمريكا إلى أسد جريح، يرفض مغادرة المسرح، أو حتى الهبوط بعض الدرجات على سلمه، وهنا يكمن سر نظرية صدام الحضارات، وهو رغبتها الحارقة فى استمرار تكتل أوروبا خلفها، عبر تفجير مخاوفها من مجهول تاريخى قادم هو الصراع الثقافى الدينى. ففى القسم الثالث من كتابه الأثير يقول صامويل هنتنجتون: إن نظاما عالميا قائما على الحضارة يخرج إلى حيز الوجود حيث المجتمعات التى تشترك فى علاقات قربى ثقافية تتعاون معا والدول تتجمع حول دولة المركز أو دولة القيادة فى حضارتها!. والحق أن أوروبا قد رفضت توظيف أمريكا لتلك النظرية فى مرحلة ما بعد 11 سبتمبر وبالذات فى احتلال العراق وأفغانستان، لكنها لم تنجح فى لجمها عن الحرب بل إنها تعرضت للتقسيم، بين أوروبا الجديدة، أى الدول الخارجة من الهيمنة السوفيتية والتى انصاعت لخياراتها العسكرية آنذاك، فجرى امتداحها، وأوروبا القديمة التى ناكفتها، خصوصا ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، فجرى هجاؤها، رغم أن البلدان الثلاثة هى خلاصة ما يعرفه العالم عن أوروبا كقارة للحداثة، حيث جسدت على الترتيب عصور الإصلاح الدينى والتنوير والنهضة. الاضطراب نفسه يتكرر الآن فى آتون الحرب الروسية الأوكرانية، فأوروبا التى تعتمد على روسيا فى النفط والغاز، وتتبادل معها مصالح مؤكدة يفترض أن تسمو على المخاطر المتوهمة، ولا يعنيها تمديد حلف الأطلسى إلى حد الإحاطة بخصرها، وجدت نفسها داخل دائرة الاضطرابات، بعضها يتخلى عن حياده التاريخى ويطلب الانضمام للناتو كالسويد وفنلندا، وبعضها يعود للاستثمار الكبير فى التسلح، وربما يستعيد نزعته العسكرية كألمانيا. يحدث ذلك لأن أمريكا أمسكت بخناق روسيا فدفعتها إلى الحرب، وتشجع أوكرانيا للاستمرار فيها، لا تريد حلا بل تورطا روسيا ممتدا، ينهى صحوتها الاستراتيجية. هكذا تفرض أمريكا حروبها على أوروبا، المحرجة منها، كونها التى حررتها من النازية، وأسهمت فى إعادة بنائها قبل ثمانيين عاما. وهنا تتبدى لنا المفارقة التاريخية، وهى تبادل المواقع بين أوروبا والولايات المتحدة فى اتجاه عكسى لما جرى عليه الأمر عند منتصف القرن العشرين. فبعد أن كانت أمريكا هى المدافع الأبرز عن حكمة الغرب ضد السياسات الامبريالية والتحالفات العدوانية، التى ورطت أوروبا فى حربين كبريين هددتا مكانتها وسمعتها، أصبحت أوروبا هى الطرف المدعو إلى الدفاع عن قيم التعايش والأمن والسلام مطلع القرن الحادى والعشرين، بل والإسهام فى إنقاذ أمريكا من نفسها، ولجمها عن صراعاتها المهلكة، ولعلها قادرة على ذلك، لو اتخذت قرارها وأصرت عليه، فهى التى عاشت لحظات حوار وصدام وتساؤل وشك، حاربت وسالمت، ولهذا كله امتلكت رؤية للتاريخ تتحسب لعقده وهواجسه، وتسعى إلى تفهم منطقه، ومن ثم باتت أقرب إلى منطق الجغرافيا الاقتصادية القائم على سياسات الاندماج والعمل الجماعى وتوازن المصالح، بينما تنتكس الولايات المتحدة إلى منطق الجغرافيا السياسية، المهجوس بمفاهيم السيادة والأمن، كأسد جريح مسكون بهواجس الأفول، يندفع نحو مصيره كبطل ملحمى فى أسطورة إغريقية.

[email protected]
لمزيد من مقالات صلاح سالم

رابط دائم: