رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أزمة الخيارات المحدودة

كثيرون من العرب، وربما من غير العرب، باتوا متشككين وغير متقبلين لسماع أو قراءة كتابات أو تحليلات تتحدث عن عمق المأزق الذى يواجه كيان الاحتلال الإسرائيلى للدرجة التى أخذت تدفع، وبقوة، إلى تكثيف طرح "دراما الزوال" الإسرائيلى؛ أى سقوط المشروع الإسرائيلى (اليهودى – الصهيونى). هؤلاء لهم أعذارهم لأنهم مسكونون بعقدة التفوق الإسرائيلى عسكرياً وعلمياً مقارنة بحالة الترهل والانقسامات والصراعات العربية التى أخذت تنخر فى الجسد العربى للدرجة التى أفقدته مناعته وصلابته.رغم ذلك فإن كل هذا لا يكفى لنفى حقائق أخذت تتراكم على كيان الاحتلال فى السنوات الأخيرة، حيث أخذت عوامل الضعف تفرض نفسها يوماً بعد يوم. عوامل بعضها مرتبط بخصوصية النشأة حيث جرى استجلاب شعب الكيان من دول متعددة لكل منها ثقافته وخصوصيته الأمر الذى جعل عوامل الصراع بين هذه المكونات كامنة فى جسد هذا الكيان فى انتظار اللحظة التى تنفجر فيها، وها هى اللحظة يبدو أنها قد حانت . وبعضها الآخر مرتبط بخصوصية التأسيس. فالكيان جرى إنشاؤه من قبل القوى الكبرى الغربية لحماية مستعمراتها فى الشرق الأوسط، وبالتحديد لـ "منع العرب من التوحد" انطلاقاً من وعى مفاده أن "توحد العرب يقود إلى نهضتهم، وظهور هذه النهضة سيولد روح التحدى العربى – الإسلامى فى مواجهة الحضارة الغربية ويجعل صراع الحضارات قدراً لا هروب منه"، هناك مصلحة أخرى من تأسيس هذا الكيان من وجهة نظر الغرب وهى حماية المصالح الاستعمارية فى الشرق الأوسط وأهمها الحفاظ على مناطق النفوذ والقواعد الغربية فى منطقة الشرق الأوسط الاستراتيجية، وحماية الثروة النفطية الكامنة فى باطن أرض دول هذه المنطقة، ما يعنى أن الكيان تأسس لأداء أدوار وظيفية بعينها: إجهاض فرص العرب فى النهوض، وحماية المصالح الغربية فى المنطقة .الآن هذه الأدوار الوظيفية تتآكل، فمن ناحية أخذ حلم الوحدة العربية فى التراجع. فى ذات الوقت تراجعت مركزية إقليم الشرق الأوسط ومكانته فى الاستراتيجيات الغربية لأسباب كثيرة، إضافة إلى التحولات التى أخذت تظهر فى سوق الطاقة الأمريكى وبروز الولايات المتحدة كدولة منتجة ومصدرة للنفط. كل هذه الأسباب وغيرها أدت إلى تراجع القيمة الفعلية للأدوار الوظيفية التى أنشئ من أجلها كيان الاحتلال الذى أخذ يتحول تدريجياً إلى عبء ثقيل على الغرب الأمريكى والأوروبى. تراجع فاقم من مشاعر "خفوت القوة" التى أخذت تفرض نفسها على قطاع إسرائيلى كبير أظهر حرصه منذ سنوات على ضرورة إمتلاك مقر إقامة بديل لكيان الاحتلال، هؤلاء يمتلكون الآن جوازات سفر أمريكية وأوروبية ومستعدون للرحيل فى اللحظة المناسبة.يحدث هذا كله فى ظل متغير فلسطينى جديد كمى وكيفى أخذ يقلب معادلة توازن القوة داخل الكيان رأساً على عقب. فمن ناحية الكم حدث ما يمكن اعتباره بمثابة انقلاب حقيقى فى توازن القوة من المنظور السكانى (الديموجرافى). فوفقاً لمنشورات جهاز الإحصاء الفلسطينى والمعلومات المنشورة عن هذا الجهاز (الأحد 15/5/2022) فقد تضاعف عدد الفلسطينيين عشر مرات بعد 74 عاماً من نكبة عام 1948. وقال الجهاز فى بيان: "بلغ عدد السكان فى فلسطين التاريخية عام 1914 نحو 690 ألف نسمة، شكلت نسبة اليهود ثمانية فى المائة فقط"، وأوضح البيان أنه "على الرغم من تشريد أكثر من 800 ألف فلسطينى فى العام 1948 ونزوح أكثر من 200 ألف فلسطينى غالبيتهم إلى الأردن بعد نكسة عام 1967، فقد بلغ عدد الفلسطينيين الإجمالى فى نهاية عام 2021 نحو 14 مليون نسمة. وأن نحو نصفهم (أى سبعة ملايين نسمة) يعيشون فى فلسطين التاريخية منهم 1٫7 مليون فلسطينى يعيشون داخل كيان الاحتلال و3٫2 مليون نسمة يعيشون فى الضفة الغربية المحتلة ونحو 2٫1 مليون نسمة يعيشون فى قطاع غزة". خلاصة هذا التقرير تقول إن الفلسطينيين يشكلون الآن 49٫8% فى المائة من السكان المقيمين فى فلسطين التاريخية، بينما يشكل اليهود ما نسبته 50٫1 فى المائة من مجموع السكان. وهؤلاء اليهود يستغلون أكثر من 85 فى المائة من المساحة الكلية لفلسطين التاريخية. إلى متى يمكن أن تستمر هذه الأوضاع على ما هى عليه، خصوصاً إذا أخذنا فى الاعتبار الفجوة الكبيرة بين معدلات نمو السكان بين العرب واليهود؟أما كيفياً فإن التحولات التى تحدث الآن على صعيد دوائر المقاومة الفلسطينية الثلاث خاصة عقب حرب "سيف القدس" التى وقعت فى مثل هذه الأيام فى مايو من عام 2021 تؤكد أن المواجهة الفلسطينية فى صعود وأن دخول جبهة عرب فلسطين المحتلة عام 1948 (أى إسرائيل) فى معادلة المقاومة الفلسطينية للاحتلال وإعادة تفعيل الضفة الغربية المحتلة، ناهيك عن صلابة قوى المقاومة فى قطاع غزة يؤكد أن إسرائيل لن تعرف الاستقرار الجنون الذى أصاب سلطات الاحتلال وقواته الأمنية الذى أدى إلى اغتيال شيرين أبو عاقلة عمداً للتعتيم على مقاومة الفلسطينيين للاحتلال، والجنون الذى صاحب مشاهد تشييع جثمان الشهيدة وعدم قدرة سلطات الاحتلال وقواته الأمنية على مشاهدة آلاف الأعلام الفلسطينية التى صاحبت الجثمان وهى ترفرف وتملأ سماء القدس المحتلة، وعدم قدرتها على الاستماع إلى الأغانى والأهازيج الشعبية الفلسطينية التى ترسخ اليقين الفلسطينى بالحقوق المغتصبة تُعد كلها بمثابة شهادات حية تؤكد أن الكيان لم يعد قادراً على مقاومة التحولات بشهادة رئيس الأركان وزير الدفاع الأسبق شاؤول موفاز أمام معهد رايخمن (هرتسيليا) وقوله إن "الخيارات أمام إسرائيل فى علاقتها مع الفلسطينيين قليلة".موفاز حدد هذه الخيارات على النحو التالى: "أن نذهب إلى تسوية (مع الفلسطينيين) وهذا مستبعد، أو أننا نستمر فى المراوحة فى المكان، وهذا سيئ جداً لإسرائيل". استخلاص يؤكده صراع السلطة الذى بلغ ذروته بتتابع الاستقالات فى صفوف الائتلاف الحاكم، وغداً الأربعاء سيكتمل مشهد الأزمة أمام الكنيست الذى يرجح سقوط الحكومة بعد أن فقدت أغلبيتها، وقد لا يبقى أمامهم من خيار غير خيار حل الكنيست والذهاب إلى انتخابات جديدة لا تعنى إلا مراكمة الأزمات وفداحة تأثيراتها على مستقبل الكيان الذى يزداد غموضاً وتعقيداً.


لمزيد من مقالات د. محمد السعيد إدريس

رابط دائم: