رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

دروس من تجاربنا التنموية

نحن أمة لها تاريخ طوله مائتا عام من جهود التحديث والتنمية الاقتصادية، ومع هذا فإننا لم نصل بعد إلى مكانة ترضينا، ومازال المختصون يصنفوننا ضمن الدول المتوسطة الدخل، فهل من نهاية لهذا الدوران فى دوائر التنمية المغلقة؟

هناك الكثير من الاجتهادات بشأن السياسة الفعالة لنقل اقتصادنا من الضعف إلى القوة، ومن الفقر إلى الثروة، لكنها تبقى كلها اجتهادات جربتها هذه الأمة أو تلك، فنجحت معها، ولا نعرف ما إذا كانت ستنجح عندنا أم لا.

لدينا تاريخ طويل من استعارة تجارب الآخرين الناجحة، والتى لم تصادف نفس القدر من النجاح عندنا، إذ يبدو أن لدينا ثقافة وبنية مؤسسية وتركيبة اجتماعية تقاوم النجاح، وهى نفس التوليفة التى تحمينا من الفشل التام، ومازال علينا أن نبحث عن صيغة تنموية تفك الشفرة الخاصة بهذه التوليفة الفريدة التى تحمينا من الغرق وتمنعنا من التحليق فى آن معا.

لا يستطيع أحد أن يدلنا بثقة على الحل المناسب، ولكن بإمكاننا حصر ودراسة السياسات التى جربناها ولم تفلح معنا، فالتعلم من تجاربنا هو أضعف الإيمان، وعلينا مواصلة تذكير أنفسنا بتجاربنا الفاشلة حتى لا نكرر أخطاء سبق أن ارتكبناها.

الاحتكار يهدر الموارد ويسبب الركود. أضرار الاحتكار مؤكدة فى كل القطاعات، باستثناء قطاع المرافق الأساسية، مثل المياه والصرف وتوزيع الكهرباء والغاز. ليس لدى المحتكر سبب يدعوه لتحسين الخدمة أو تقليل تكلفتها، فليس لديه منافس يخشاه، ومهما بلغ سوء وفساد إدارته فسيظل قادرا على تحميل خسائره للمستهلكين الأسرى المحرومين من فرصة اللجوء لبديل. الاحتكارات فاسدة وتهدر موارد المجتمع، ولديها من القوة ما يمكنها من الضغط للحفاظ على وضعها الاحتكارى، ولمنع الآخرين من الدخول إلى السوق، وقد تلجأ فى سبيل ذلك إلى أساليب إجرامية. منع الاحتكار وضمان المنافسة وحماية الداخلين الجدد إلى السوق يجب أن يكون مكونا أساسيا لسياسة تنموية ناجحة.

الدولة ليست صانعا أو تاجرا جيدا، فالطريقة التى تعمل بها الدولة تختلف عن الطريقة التى يعمل بها المستثمر الناجح. الدولة تصدر قوانين وقرارات إدارية ملزمة للكافة ومحمية بسلطات السيادة وحقوقها، فيما الصانع والتاجر يستجدى رضا كل زبون محتمل يمكن أن يكون سببا فى زيادة المبيعات والأرباح. لوائح الحكومة وقواعد عملها عمومية وشاملة تنطبق على الجميع بلا استثناء، بل إن الاستثناء فيها هو باب واسع للفساد، فيما إدارة الأعمال تفصيلية وجزئية، تطور خطة إنتاج وتسويق خاصة بكل شريحة من المستهلكين مهما تكن صغيرة. الموظف الحكومى ينفذ لوائح وقوانين ملزمة، ونجاحه يقاس بقدر انضباطه فى تطبيقها. إدارة الأعمال فيها القليل من اللوائح، والكثير من الاجتهاد والإبداع. الثبات والاستمرارية هى وصفة النجاح المضمونة للبيروقراطية الحكومية، فيما التغيير المتواصل فى الأذواق والأسعار وأساليب الدعاية هى وصفة النجاح فى مجال الأعمال. الموظف الحكومى يتلقى راتبا ثابتا لا يتأثر كثيرا بنجاح أو فشل أو إبداع أو كسل، فيما دخول العاملين فى قطاع الأعمال تتوقف على ما يحققونه من نجاحات. المبالغة فى ضمانات الأمان الوظيفى تقتل الحافز للعمل، وهذا من أهم أسباب إخفاق الحكومة فى إدارة الصناعة والتجارة. مسار الموظف الحكومى معروف سلفا، فهو يلتحق بالوظيفة شابا، ويترقى بين درجاتها عندما يحين دوره فى الترقية، وصولا إلى سن الخروج إلى المعاش. الوصول الآمن إلى سن المعاش هو الهدف الأسمى فى الحياة الوظيفية، فيما تتسم الحياة فى قطاع الأعمال بالديناميكية والتغير المستمر، والمكافآت والعقوبات، وفرص الترقى، وأيضا احتمالات الهبوط المفاجئ، اعتمادا على مستويات الأداء.

التسعير الجبرى لا يضبط الأسواق ولا يضمن وصول السلع للناس بأسعار مناسبة. أسعار السلع يحددها العرض والطلب، ولا شيء يبقى مستوى الأسعار منخفضا إلا زيادة المعروض، ومنع الاحتكارات التى تفرض أسعارا اعتباطية، أما التسعير الجبرى فلا يؤدى سوى إلى السوق السوداء. هل تذكرون عندما كنا نشترى الكمامة بخمسة جنيهات فى بداية الجائحة، بينما وصل سعرها إلى جنيه واحد بعد ذلك دون أى تدخل حكومى فى تحديد الأسعار، وإن كانت الحكومة تدخلت من أجل تشجيع الإنتاج، وتشجيع المزيد من المستثمرين للدخول إلى السوق.

الخلط بين الوظائف الاجتماعية للدولة والسعى للربح الذى يسعى إليه النشاط الاقتصادى يؤدى إلى إفساد الأمرين، فلا الاحتياجات الاجتماعية يتم تلبيتها، ولا الربح يتم تحقيقه. عندما فرضت الحكومة على أفضل مصانع الغزل إنتاج غزول شعبية وتوظيف المئات من العمالة الزائدة، خسر المصنع وكاد يغلق أبوابه. على الحكومة تقديم الدعم للمستحقين، وعليها أن تفعل ذلك دون تعطيل قواعد الإدارة الاقتصادية السليمة.

من الضرورى الالتزام بالحلول السليمة وليس الحلول العملية، فلا شطارة أو فهلوة فى إدارة الاقتصاد والتنمية، والإجراء التلفيقى الذى يبدو ناجحا اليوم ستعود أشباحه لتطاردنا غدا، وكل خطوة نتخذها ترتب حقوقا وأوضاعا يصعب التراجع عنها لاحقا، وكل تشابكات غير منطقية نصنعها فى عجلة ونحن نحاول التعامل مع وضع طارئ، سنقضى سنوات طويلة بعد ذلك ونحن نحاول تفكيكها.

تحقيق معدل نمو عال لسنة أو سنوات قليلة ليس هو المهم، لكن المهم هو استدامة معدل النمو المرتفع لفترة ممتدة تكفى لنقل بلدنا إلى درجة أرقى على سلم التنمية.

هذه عينة صغيرة لدروس تنموية أنتجتها تجربتنا الخاصة، وهناك العشرات من الدروس التى تنتظر استخلاصها وإدارة الحوار حولها. أدعو لفتح حوار هادئ حول خبراتنا مع سياسات التنمية على هامش فعاليات الحوار الوطنى المخطط بدؤه قريبا، علنا نصل إلى توافق مناسب حول بعض هذه القضايا.


لمزيد من مقالات د. جمال عبدالجواد

رابط دائم: