رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

نحو حوار رشيد

يقال إن من بعض سمات التخلف الانشغال الشديد، لدرجة قد تصل للهوس بالجدل السياسى والدينى، وأظن أن هناك ما يشير إلى هوس البعض بذلك الجدل، حتى كاد (الجدل البيزنطي) يتضاءل أو يتلاشى أمامه.

وللتذكير فقط، فقد انشغل البيزنطيون أثناء انعقاد أحد المجامع المسكونية بقضية طبيعة السيد المسيح، لدرجة أن أحد المؤرخين المعاصرين لتلك الأحداث كتب: إنك كنت إذا ذهبت لبائع الخبز وطلبت أن يبيعك خبزًا فيبادرك بالتساؤل: هل طبيعة واحدة أم طبيعتان، وهل فارق الناسوت اللاهوت أم لم يفارقه؟ وهل السيدة العذراء أمٌّ من ناحية الناسوت فقط أم من اللاهوت أيضا؟ وهكذا يرد ساقى الماء وغيرهما دون أن يلتفتوا لعملهم أو يلبوا طلبات الناس! وعليه فلم يكن الجدل البيزنطى حول البيضة والدجاجة، ولا حول جنس الملائكة.

وأما ونحن فى مصر، بصدد فتح حوار سياسى شامل، فإن أولى ضمانات أن يكون حوارًا صحيحًا سليمًا ينتقل بنا إلى آفاق مستقبلية، خالية من عيوب ونقائص نعانيها فى حاضرنا، هى أن يتخلى المهووسون سياسيًا ودينيًا عن هوسهم، وإذا لم فلا يمكن أن يكونوا طرفًا فاعلًا إيجابيًا.

والضمانة الثانية هى أن يتم توسيع مجال الحوار، كى لا يقتصر على ما تعودنا التركيز عليه، وهو الحريات السياسية وما يتفرع عنها، وإنما يتم التركيز أيضًا- وربما بأولوية أولى- على ما يتصل بالتكوين الثقافى المصرى بالمعنى الشامل للثقافة، الذى يضم- إلى جوار الآداب والفنون- درجة الوعى ونوعه، ومستوى التعليم ومضامينه، ومسلكيات الناس، وما طرأ عليها من سلبيات طغت وتوحشت.

والضمانة الثالثة هى أن تؤمن أطراف الحوار بحتمية الاتفاق على أهداف عليا لا تحمل لجاجة الجدل، وفى مقدمتها بقاء مصر موحدة قوية متماسكة متوازنة، محققة لمعادلة الأمن والعدل، وبعد ذلك يكون النقاش فى تطوير السبل وكفاءة الأدوات التى تكفل تحقيق هذا الهدف الأسمى.

أما الضمانة الرابعة فهى أن ندرك ضرورة اتصال الخط البيانى بين مراحل نهضتنا، لأن هناك كارثة أودت بكل مشاريع تلك النهضة، وهى أن كل مرحلة تبدأ من نقطة الصفر وتنطلق عدة درجات، ثم يتوقف الأمر لتأتى مرحلة جديدة، تبدأ من الصفر، وهكذا يبدو الأمر خطوطًا بيانية قزمية متجاورة لا صلة بينها، وبينما الصحيح هو خط بيانى واحد متصل يصعد ويهبط أو يصعد باطراد وهو متصل.. أى متراكم، لأن التاريخ يصنعه التراكم.. ومن فضل الله أن مصر أنجزت عبر السنين السبع الفائتة إنجازات جبارة فى أكثر من مجال، وكلما تخيلت أن لو كان شرط إنجاز ما أنجز هو فتح حوارات سياسية، ودخل المهووسون، الذين احترفوا الجدل السياسى، لكنا قد بقينا طيلة تلك السنوات ننتقل من مرحلة كلامية إلى مرحلة احتجاجية على الكلامية، إلى مرحلة تآمرية على الأطراف التى تختلف عن أقرانها، وهلم جرا، فى حلقة مفرغة عرفتها مصر فى 1976 وما بعدها، عندما تشكلت لجنة مستقبل العمل السياسى، وأوكلت رئاستها للمرحوم المهندس سيد مرعى، وتناوب رئاستها المرحوم الدكتور مصطفى خليل، وتقدم أصحاب المنابر، وبعدها التنظيمات، وبعدها الأحزاب، ليتمخض الأمر عن كيانات كرتونية هشة وانقسامات رأسية وأفقية فى كل القوى السياسية، لينفتح المجال واسعًا أمام التيار المتأسلم وتنمو الجماعات المتأسلمة فى الجامعات، وينتشر الإخوان، وينتعش السلفيون، ويقتل رئيس الجمهورية، وتصبح مصر مرهونة لأكثر الاتجاهات انحطاطًا بالمعنى الحضارى والفكرى والثقافي.

والمأساة أن هذا الاتجاه أخذ ينمو، حتى وصل فى أواخر عهد مبارك إلى السيطرة على مفاصل اقتصادية واجتماعية مهمة، وصار له تمثيل قوى فى البرلمان إلى أن وصل لسدة الرئاسة على النحو الذى يعلمه الجميع.

ثم إن العمل العام فى كل أرجاء الأرض يعرف قواعد راسخة، منها أن يعرف المشتغلون بالسياسة أن هناك ثقافة للتقاعد واعتزال النشاط الحركى، بمعنى أن من لم يمنحه الشعب ثقة فى انتخابات عامة علنية ولمرتين عليه أن يتقاعد ويعتزل ويبحث عن طريقة أخرى للتحقق الذاتى، وبمعنى أنه يتعين على كثيرين ممن تخضرموا بمعايشة عدة نظم سياسية متعاقبة أن يحددوا لأنفسهم دورًا يليق بخبراتهم، وليكن دور بلورة الخبرات التاريخية ودروس التجارب السابقة كى تساعد الأجيال الطالعة فى صنع مستقبل أفضل.


لمزيد من مقالات أحمد الجمال

رابط دائم: