رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

العنصرية الغربية فى زمن الحرب

تعليقا على الحرب الدائرة فى أوكرانيا، قال أحد الإعلاميين الغربيين: مع كل الاحترام، ليست مكانا مثل العراق أو أفغانستان، اللذين يحتدم فيهما النزاع منذ عقود، هذه مدينة متحضرة نسبيا وأوروبية نسبيا ... حيث لا تتوقع أو تتمنى حدوث هذا. بالتزامن، توالت تصريحات الصحفيين وضيوفهم فى القنوات الفرنسية والأمريكية والصحف البريطانية وغيرها، والتى عبروا فيها عن صدمتهم لرؤية ما اعتادوا حدوثه فى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يحدث لأوروبيين يشبهونهم فى لون الشعر ولون العينين. واعتبر أحدهم ان ما يثير القهر عندما تنظر إليهم وإلى ملبسهم. هؤلاء أبناء طبقة وسطى مزدهرة وليسوا لاجئين يحاولون الهرب من مناطق فى الشرق الأوسط ما زالت تشهد حربا، وليسوا أشخاصا يحاولون الخروج من مناطق فى شمال إفريقيا. هؤلاء أشخاص يبدون كأى عائلة أوروبية قد تسكن بجوارها.

هذه العبارات العنصرية، وغيرها الكثير ممن يحمل نفس المعني، تكررت عبر وسائل إعلام عالمية كبيرة، وهى تخفى وراءها ما معناه ان الحروب والموت والدمار والتهجير أمر من الطبيعى او العادى ان يحدث فى دول الشرق الأوسط وإفريقيا، لكنه يصبح أمرا غير معقول وصادم إذا حدث فى دول أوروبية يتميز مواطنوها بشعر أشقر وعيون زرقاء وخضراء. ذهب الأمر أبعد من ذلك عندما تعرض طلاب من جنسيات مختلفة إلى التمييز فى رحلات الهروب من الحرب. انتشرت تدوينات ومقاطع مصورة لعرب وأفارقة وهنود وغيرهم واجهوا مشكلات فى التنقل بين الحافلات أو القطارات إلى حدود أوكرانيا، وتعرضوا للتضييق والإهانة والارتكان لخلف الطوابير، وقيل لهم إن الأولوية للأوكرانيين. وبدلا من ان تقف الصحافة فى موقف الحياد اذا لم نقل تستنكر هذا التمييز، تساءل احد الصحفيين بلغة لا تخلو من الاستخفاف: «ماذا يفعل كل هؤلاء العرب والافارقة فى أوكرانيا؟».

كشفت الحرب فى أوكرانيا الوجه القبيح للغرب من خلال العنصرية الواضحة والفجة التى تم التعامل بها مع من يرونهم شعوب عالم ثالث. بين المقارنات المقيتة بين الهاربين من الحرب وفق لون بشرتهم وجنسياتهم وخلفياتهم الثقافية والقومية، وتفضيل الأوكرانيين لأنهم أوروبيون ومتحضرون وبيض، والكيل بمكيالين فى التعامل مع النازحين إلى الحدود الأوكرانية، سقطت ورقة التوت عن الغرب فى موضوع احترام حقوق الإنسان. لأن الامر هذه المرة لا يتعلق بحرب أمريكية على العراق او أفغانستان، ولا احتلال إسرائيلى لفلسطين وتهجير قسرى لأصحاب الارض، ولا حرب تدور رحاها فى سوريا او ليبيا او اليمن، ولأن الحرب هذه المرة فى أوروبا وارتداداتها السياسية والاقتصادية ستخيم على القارة العجوز بالكامل، لذلك، ربما، لم يعد يأبه الغرب بإخفاء ما يشعر به من عنصرية وشعور بالتميز، او التستر عليهما.

أسقطت هذه الحرب كل المعايير الدولية التى حاول الغرب الادعاء انه يؤمن بها ويدافع عنها، وتجاهلت قيم الإنسانية ومبادئ حقوق الانسان التى طالما تم إشهارها كورقة ضغط ومساومات فى وجه أنظمتنا العربية. لقد عرت الحرب فى أوكرانيا، المنظومة الأخلاقية التى يتغنى بها الغرب وشعاراته التى يرفعها. لقد بدا الغرب صغيرا جدا وهو يعبر عن آرائه العنصرية ومواقفه التمييزية فى حرب هو يعيش تفاصيلها المؤلمة ويعد تداعياتها القاسية عليه.

انتقل الخطاب العنصرى من الأروقة السياسية إلى الإعلام والى الشارع. صحيح، لا جديد فى الامر، فالعنصرية موجودة ومتجذرة لديهم، الفرق انه كان متسترا عليها، لكن الآن خرجت بصورة اكبر الى العلن. فى وقت سابق، اشار تقرير للشبكة الأوروبية ضد العنصرية أن 10 إلى 15% من سكان الاتحاد الأوروبى يعتنقون ايديولوجيات عنصرية، وأحيانا سلوكيات عنصرية. ربما هذه النسب فى تزايد. وكشف استطلاع للرأى العام أجرته، قبل عامين، وكالة الاتحاد الأوروبى للتسوق الأساسية، أن 92% من المسلمين فى أوروبا يعانون صوراً عدة من التمييز العنصري. وتؤكد تقارير أنه مجرد أن تكون ذا بشرة سمراء فى أوروبا يعنى العنصرية والسكن السيئ والوظيفة الأقل. ويعتبر التمييز العنصرى لأجهزة الشرطة ظاهرة راسخة فى العقلية الغربية إلى درجة يضطر معها المواطنون المنحدرون من أصول إفريقية إلى مواجهة التحيز العنصرى فى الشارع وفى أماكن العمل.

يبدو ان مشاعر العنصرية والمعاداة بدأت تنتشر فى أوروبا على نطاق أوسع. هذا الوضع يتطلب مواجهة غربية – غربية مع قيمهم التى يروجون لها، وتدخلات عاجلة قبل ان يتساءلوا: لماذا يكرهوننا؟ او لماذا ينحازون لغيرنا؟

 

> كاتبة مغربية


لمزيد من مقالات وفاء صندى

رابط دائم: