رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

البحث عن بقعة شمس

أقرأ فى كتاب لم أنشره بعد، أو حتى أدونه، لكنه مكتوب فى باطنى المرتعش من البرد, عنوانه: (البحث عن بقعة شمس). تقول المقدمة إن صقيع الأقدام لا يقاس بقطعة الثلج التى كانت ذات يوم وهجاً أخضر، المستكنة فى صميمى كجوهرة مكنوزة فى مخمل أسود، يظنها الجاهل ماسة وهى قطعة ثلج متحجر، غير قابل للذوبان، حتى لو أشرقت ألف شمس وارتفعت ضحاها وصبت وهجها.

أنا الآن أجلس فى بقعة شمس، تتسلل من شباك منذور للبرد هذه الأيام، منذ بدأ «طوبة»، وها نحن الآن فى يومه الأخير. أكتب هذه السطور قبل أن تقرأها يا عزيزى فى صباح الجمعة, بأيام ثلاثة أو أربعة، لا أدرى، فأصابعى المتجمدة ترفض أن أستخدمها فى العد؛ فقط تذعن لهاجس البوح، وتمسك بالقلم الرصاص الأصفر، ذى الممحاة الخضراء الفستقية فى أسفله (مولود خريفى يحلم بالربيع). أجلس فى بقعة الشمس التى طال اشتهاؤها، وأذعن لشهوة البوح، وأصغى لتمتمات الروح المرتعشة، التى تنتقل الآن من ديباجة كتاب البرد إلى المتن فتقول:

قطعة من الثلج لها أقدام أنا، تسير بين بردانين، فى عالم يموت فيه الأطفال برداً فى مخيمات اللجوء إلى العراء، أمضى حياتى باحثاً عن بقعة شمس أجلس فى دفئها الحنون، بقعة شمس أود لو أرسلها لقارئ يرتعش مثلى من البرد فتدفئ قلبه وتسرى فى الوجود وهجاً يبعث الدفء فى أطراف العجائز وقلوب المشردين الضائعين .هل فاقد الدفء يعطيه؟ هذا رجائى، فى شتوية ثلجية تقسو على الأجساد والأرواح.. وإذا كان أمشير شهراً متقلباً ذا نزوات، فهو على الأقل ليس فى جبروت طوبة، وسرعان ما يأتى بعده برمهات.

وددت لو كانت المسألة محض جغرافيا وخطوط عرض، ودوران أرض حول شمسها ونفسها؛ فقد يستمر الشتاء مجازاً طوال شهور السنة، وقد يأتى الربيع فجأة فى غير موعده, وقد يتجاور الدفء والبرد لا يفصلهما إلا شارع بين بيتين، أو جدار بين حجرتين، أو حتى ضلوع صدر الجالسيْن فى نفس الحجرة، أحدهما روحه تنعم بالدفء والأمان وشقشقات الطير، والآخر يرتعش من البرد والخوف والحزن فى دائرة قطبية تمتد فقط سنتيمترات.

هذا حالنا. لكننا نقتات على الأمل كما تبحث الطير كل صباح عن حبة البرغل. فى شتاء الروح يبحث البردان عن بقعة شمس. وتكاد الشمس المتسللة من شباكى، فى وداع شهر طوبة، أن تودع الأريكة التى أجلس فى دفئها أكتب؛ لكننى سأظل أطارد الشمس. سنظل جميعاً. وعلى من يكتب أن يشرك قارئيه فى منطقة الدفء التى يعثر عليها، وأن يتداولها القراء, كما يفعلون على الفيس بوك واليوتيوب، فى شبكة اتصالات قلبية. وإذا كانت الأقدام باردة، فإن القلب الذى أصاب بعض الدفء يمكنه أن يبعث نجدة للقدمين. كذلك الابتسام: من فاز ببسمة يمكنه أن يعدى بها مكفهراً متجهماً. والكلمة الطيبة بقعة شمس يرسلها دافئ إلى بردان, أو بردان يحلم بالشمس إلى رفيق يئس من البحث واستسلم للصقيع. حتى من كانت روحه قطعة ثلج تحجرت فصارت صخرة من صقيع, تتحدى الجغرافيا وتغير الفصول، ويحسبها الجاهل قطعة ماس - حتى ذلك البردان الأزلى ينفق يومه وعامه وعمره، يبحث كالعجوز الفانى عن بقعة الشمس، يطاردها ويصطادها ويفقدها ويستعيدها لتهرب منه مرة أخرى، يفقدها فلا يزهدها، وهذا هو نصيبه من الدنيا، وسعادته التى تبدو رواغة لكنها موجودة.

ننعم بلحظات الدفء العابرة، وحين تهجرنا نغنى لها (أنا فى انتظارك): لحظة البرد التى ألهمت بيرم والشيخ زكريا شمساً من أحلى وأشجى ما شدت به أم كلثوم، معجزة الدفء والطرب وأعجوبة الشجو والبهجة.. حتى فى قلب الشتاء، وتحت سياط طوبة، وفى وجه نزوات أمشير.


لمزيد من مقالات بهاء جاهين

رابط دائم: