رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تقدم البناء وتراجع الفكر

هناك أزمة يشهدها العالم تتمثل فى تقدم التكنولوجيا بوتيرة سريعة، بينما تتراجع صناعة الفكر خطوات للخلف، أو على أحسن تقدير لا تلاحق تسارع التطور التكنولوجي. هذه الأزمة لها وجوه عديدة، منها غياب الأيديولوجيات، وضعف الإنتاج الثقافى المثير للنقاش والجدل، وعدم القدرة على انتاج أفكار جديدة تُغير المجتمعات، والاكتفاء برد الفعل تجاه المتغيرات. ورغم ذلك، تبدو المشكلة فى مجتمعنا أكثر تعقيدا، إذ بينما تزداد حركة البناء، وتغيير شكل الحياة المادية، يبدو الفكر راكدًا، متراجعًا، تشده قوى التخلف إلى الوراء. نُشيد أوبرا، ومركز فنون، ومكتبة كبرى فى العاصمة الإدارية، وفى الوقت نفسه نجد أصواتا زاعقة تٌحرم الفن، وتلاحق مبدعيه. نبنى أكبر كاتدرائية وأضخم مسجد، بينما تتراجع مؤشرات التدين المستنير الحقيقى، وتطفو على السطح صور من التعصب والغلو. نُعيد تخطيط الطرق بحيث تكون أكثر اتساعا ورقيا بينما يظهر التهور حاكمًا لسلوك الكثير من أصحاب السيارات، فنجد الحوادث المميتة.نُكثر الجامعات عددا، ولكن يقل الإنتاج العلمى، ويتواضع مستوى الخريجين عند المنافسة مع أقرانهم فى دول أخرى. وفى كل النقاشات التى تحيط ببعض المشكلات أو الأحداث التى تظهر فى المجتمع نجد ثقافة منغلقة متشددة، لا تعرف استنارة فكرية، أو نظرة متقدمة. وقد صارت منصات التواصل الاجتماعى مسرحًا لنشر مظاهر التراجع الثقافى، باختلاف اشكاله، وكثير من أصحاب الفكر المنغلق لجأ إلى التكنولوجيا الحديثة من أجل نشر أفكارهم بعد أن تراجع الكتاب، وخف وزن القنوات الفضائية أمام الفضاء الالكترونى المفتوح. يكفى تتبع الفيديوهات التى يبثها أصحاب الفكر المتشدد، ووكلاء السجال الدينى، والمتعصبون باختلاف صورهم حتى نتبين إلى أى حد صارت التكنولوجيا أداة طيعة فى نشر التطرف. وباتت كثير من المعارك تدار اليوم على مواقع التواصل الاجتماعى، منها أفكار يبثها متطرفون، أو شائعات سياسية أو أحاديث إحباط نفسية أو كلام دعاة الشهرة أو أنصار الشقاق الاجتماعي. ما أسهل اليوم أن تجد داعية أو رجل دين أو مذيعًا أو شخصًا عاديًا محبطًا يبث فيديو يعبر فيه عن رأيه فى الأحداث، وغالبا لا يخلو من انفعال أو رغبة فى المزايدة.

من هنا لا يبدو غريبا أن يتقدم المجتمع فى الشكل، بينما لا يزال يتعثر فى مشكلات فكرية عميقة. السبب الرئيسى وراء هذه الظاهرة هى ما يمكن تسميته «صمت المجددين»، فى كل المجالات، والاكتفاء بأن يكون المقاس العام للإنتاج الفكرى ـ إن صح التعبير ـ يناسب الحالة الثقافية العامة للمجتمع، رغم ما بها من تراجع وتزمت.

فى المجال الدينى، إسلاميا ومسيحيا، نجد أصواتا محدودة تأخذ على عاتقها التجديد الحقيقى فى الفكر الدينى، فى حين أن الأصوات الغالبة إما تساير الثقافة المتداولة أو تزايد عليها أو تكتفى بالكلام الهادئ المجامل الذى يرتبط بالمناسبات أكثر ما يغوص فى أعماق الثقافة السائدة.

فى المجال العلمى، لا نجد – على الأقل فى العلوم الاجتماعية - باحثين لهم أطروحات مثيرة للجدل، وصار إيثار «السلامة البحثية» هدفًا فى ذاته، ولم يعد هناك اشتباك مع مشكلات المجتمع الساخنة، والتى تحتاج إلى بحث اجتماعى جاد. فى مجال الثقافة، المنوط به التحريض على التفكير والتغيير، غابت الكتابات الثقافية التى تثير معارك فكرية تشهد الجدل، والاشتباك، ويخرج منها الجمهور بمعرفة، وثقافة، ووجهات نظر متعددة. ويبدو أن معاناة المبدعين على مدى عقود من سياط التطرف الذى ينهال عليهم من آن لآخر جعل قطاعا عريضا منهم يميل إلى الكتابة منزوعة الدسم، هذا فضلا عن اختفاء شخصيات مثقفة كبرى عن الساحة، غيبها الموت أو المرض، ولم يظهر بديل لها يحمل راية الاشتباك مع المظاهر الثقافية السلبية. لماذا آل المجتمع إلى هذه الحالة من غياب الحيوية؟ نرى الإقدام فى حركة المشروعات والمبادرات الاجتماعية، ويغيب عن مسيرة الفكر؟ السبب هو «التطرف الكامن» فى بنية المجتمع، حيث تراجع مشروعه السياسى، ولم يعد أمام أنصاره سوى الثقافة العامة، يبثون فيها التشدد، والغلو، والضيق بالحداثة، مرة باسم الدين، وأخرى باسم التقاليد، وأحيانا يجرى استدعاء الوطنية فى غير موضعها. والدليل على ذلك أن الأبواق الإعلامية التى تنشر الشائعات، والأكاذيب هى ذاتها التى تبث التطرف ثقافيا واجتماعيا. الهدف النهائى هو أن يظل المجتمع مغلقًا، قاصرًا فى نظرته، لا يدرك من المدنية سوى قشورها الخارجية، دون آفاق الاستنارة والتفكير النقدى.


لمزيد من مقالات د. سـامح فـوزى

رابط دائم: