رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الرئيس تبّون فى القاهرة (1-2)

استقبل الرئيس عبدالفتاح السيسى الاثنين الماضى الرئيس الجزائرى عبدالمجيد تبّون الذى حلّ ضيفًا عزيزًا على بلده الثانى مصر.هذه الزيارة هى الثالثة عربيًا للرئيس تبّون بعد زيارتيه للسعودية وتونس، وكان قد سبقها بعدة أيام قيام السيد رمطان لعمامرة وزير خارجية الجزائر بزيارة للقاهرة، وتناوَل أبعاد هذه الزيارة ودلالاتها الدكتور أحمد يوسف أحمد فى مقاله الأسبوعى بالأهرام تحت عنوان «مصر والجزائر». وإذا كان مقال أستاذنا الدكتور أحمد يوسف أحمد قد وضع العلاقات المصرية ــــ الجزائرية فى سياقها التاريخى وسلّط الضوء على أبرز محطات تطوّر هذه العلاقات بين الدولتين العربيتين الكبيرتين، فسوف أحاول البناء على ماسبق انطلاقًا من مرحلة وصول كلٍ من الرئيسيَن السيسى وتبّون إلى السلطة عامى ٢٠١٤ و٢٠١٩ على التوالى، وسيكون ذلك عبر مقالين اثنين، بحيث يتناول مقال اليوم كيفية تعامل الرئيسَين المصرى والجزائرى مع التحديات التى واجهها كل منهما فى الداخل، أما فيما يخص تعاملهما مع الملفات المختلفة للسياسة الخارجية فإن هذا سيكون هو موضوع المقال المقبل بإذن الله.

ثمة تشابه كبير يخص حساسية الظروف التى وصل فيها الرئيسان المصرى والجزائرى إلى سدّة الحكم فى بلديهما، فلو بدأنا بمصر فسوف نجد أن قيام المصريين بالإطاحة بحكم الإخوان من خلال ثورة يونيو ٢٠١٣ قد أشعل موجة من الأعمال الإرهابية التى طالت مرافق البنية التحتية وأقسام الشرطة والكنائس وامتدت لاغتيال بعض كبار المسئولين فى الدولة واستهداف المدنيين العاديين، وإضافة إلى اتساع نطاق تلك الأعمال بما يشمل العديد من المحافظات المصرية فإن مواجهات قوى الأمن مع الجماعات الإرهابية فى سيناء كانت تتم بوتيرة شبه يومية. وإذا انتقلنا للجزائر فإن الحراك الشعبى، الذى انطلق فى فبراير ٢٠١٩، رفضًا لترشّح الرئيس بوتفليقة لعهدة خامسة، كان قد أنعش طموحات قوى عديدة فى الداخل والخارج معًا لتشكيل المسرح السياسى بعد بوتفليقة بما يخدم مصالحها، ومن تجليات ذلك محاولة التأثير على شخصيات تحظى باحترام الجزائريين حتى تقبل مسئولية إدارة المرحلة الانتقالية بتوافق تام بين بعض أفراد أسرة بوتفليقة وعدة دوائر فرنسية، وكان الهدف من ذلك هو إفشال الخيار الدستورى الذى اتبعه رئيس الأركان أحمد قائد صالح الذى وضع على أساسه خريطة الطريق، كما كانت هناك محاولة لافتعال أزمة بين العرب والأمازيغ من خلال دس عناصر معينة وسط المظاهرات الأسبوعية المتتالية للحراك الشعبى ورفع الراية الأمازيغية إلى جانب العَلَم الجزائرى وتحريض حركة ماك الانفصالية من موقعها فى العاصمة الفرنسية للدخول على الخط، هذا بالإضافة إلى عودة فلول الجبهة الإسلامية للإنقاذ ليطلوا برءوسهم مستغلّين حالة السيولة السياسية القائمة، وذلك رغم القطيعة بينهم وبين معظم أبناء الشعب الجزائرى نتيجة المذابح التى شهدتها العشرية السوداء.

وهكذا فإنه رغم اختلاف مسببات عدم الاستقرار السياسى فى كلٍ من مصر والجزائر فإن غياب هذا الاستقرار مثّل حقيقة واقعة فى البلدين.

مع تسلم السيسى وتبّون مقاليد السلطة بدأت عملية استكمال البناء السياسى فى الدولتين من خلال العديد من الخطوات التى يمكن تلخيصها فى: إجراء تعديلات دستورية والاستفتاء عليها فى البلدين، علمًا بأنه فى حالة الجزائر فإن الاستفتاء الذى تم فى الأول من نوفمبر ٢٠٢٠ كان هو الأول من نوعه، إذ جرى العمل من قبل على تمرير التعديلات الدستورية الجزائرية (كما فى أعوام٢٠٠٢ و٢٠٠٨و٢٠١٦) عن طريق البرلمان ودون عرضها على الاستفتاء الشعبى، وتنظيم انتخابات تشريعية لدورتين فى مصر ولدورة واحدة فى الجزائر، علمًا بأن الانتخابات الجزائرية أتت مبكّرة عن موعدها بنحو عام فى إطار عملية التغيير السياسى بعد بوتفليقة، وتنظيم انتخابات رئاسية فى مصر أدت إلى التجديد للرئيس السيسى وانتخابات محلية وولائية فى الجزائر شهدت نتائجها تراجعًا فى مقاعد الأحزاب الإسلامية كجزء من ظاهرة تراجع شعبية حركات الإسلام السياسى فى المنطقة العربية عمومًا وفى إقليم المغرب العربى خصوصًا.

وعلى صعيد آخر مثّلت مكافحة الفساد أولوية من أولويات الرئيسين المصرى والجزائرى بحكم استشراء هذه الظاهرة من جهة وابتلاعها ثمار التنمية من جهة أخرى، وفى هذا السياق لعبت هيئة الرقابة الإدارية فى مصر دورًا أساسيًا فى إحالة قضايا فساد تورطت فيها أسماء كبيرة إلى القضاء، كما استحدَثَت مصر أكاديمية وطنية لمكافحة الفساد بهدف تعزيز قيم الشفافية والنزاهة والحوكمة. أما فى الجزائر فقد سيق أبرز أقطاب نظام الرئيس بوتفليقة، بما فيهم أخوه سعيد بوتفليقة نفسه، للمحاكمة بتهم فساد متعددة، ولنتذكّر أن السبب الذى أدى لاستبعاد عبد العزيز تبّون من منصبه كرئيس وزارة رغم مضيّ أقل من ثلاثة أشهر على وجوده فيه عام ٢٠١٧ كان هو رغبته فى التصدّى لظاهرة الفساد ودخوله فى مواجهة مع كبار رجال الأعمال، وبالتالى فإن وجوده على رأس الدولة الجزائرية حاليًا يكفل له مواصلة ما كان قد بدأه من قبل خلال رئاسته القصيرة للوزارة.

ثم هناك استعادة الأمن وتحقيق الاستقرار السياسى فى البلدين بشكل لا يمكن أن تخطئه عين، وهذا عنصر آخر مهم من العناصر الضرورية لتهيئة البيئة الداخلية لعملية التنمية الشاملة، وإن مَن يشاهد ورشة العمل الدءوب فى مصر على مدار الساعة، التى تتوسع أفقيًا لتشمل المناطق المهمّشة، يتيقن من أن هذا العمل المتصل ما كان يمكن إنجازه إلا فى ظل مناخ الاستقرار السياسى والأمنى الحالي.

تلك كانت هى تحديات البدايات بالنسبة للرئيسين السيسى وتبّون على الصعيد الداخلى وتلك كانت استجابتهما لها، فكيف كان الوضع إذن مع تحديات الخارج الجسيمة؟ وكيف تعامَل معها الرئيسان وبأى قواسم مشتركة بين أساليب المواجهة فى الحالتين؟ هذا هو الموضوع الذى سيتناوله مقال الأسبوع المقبل بإذن الله.


لمزيد من مقالات د. نيفين مسعد

رابط دائم: