رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ثورة يناير وغدر الإخوان

تاريخ ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011، لم يكتب بعد، وذلك رغم تعدد ما صدر من الكتب عن هذه الثورة، لم يدل المؤرخون بعد بدلوهم من خلال أدواتهم المعرفية والمنهجية فى الاستقصاء والتحرى وفرز الوقائع واستخلاص الدلالات، ووضع هذه الثورة فى مكانها اللائق فى التاريخ الحديث لمصر جنبا إلى جنب مع الثورات المختلفة التى شهدتها مصر منذ الاحتلال البريطانى وقبله منذ الحملة الفرنسية على مصر.

وحتى ذلك الحين أى عندما يقول التاريخ كلمته، فإنه من الممكن أن نتطرق إلى بعض النقاط فى مجريات هذه الثورة، تتعلق بطبيعة هذه الثورة والمصير الذى انتهت إليه، أى بسيطرة جماعة الإخوان المسلمين على البلاد والعباد.

تنخرط هذه الثورة فى إطار ثورات آخر القرن العشرين وأوائل القرن الحادى والعشرين، أى الثورات التى تطالب بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتى وقعت فى بلدان شرق أوروبا وغيرها من الدول، وهى من ثم تختلف عن الثورة البلشفية عام 1917 والثورة الخومينية فى نهاية سبعينيات القرن العشرين، وهى الثورات التى تميزت بوجود قيادة وأيديولوجية وبرنامج من البلاشفة والأيديولوجيا الماركسية فى الأولى ومن رجال الدين والأيديولوجيا الدينية فى الثانية، أما ثورة 25 يناير فكانت فى البداية احتجاجات شبابية اتسعت مع استمرارها لتنضم إليها العديد من فئات المجتمع، وبعد أن كانت احتجاجات على سياسات النظام فى البداية أصبح هدفها فى مجرى الأحداث إسقاط النظام ذاته.

وإذا كان المذياع والكاسيت قد لعبا أدوارا مهمة فى الثورات السابقة، فإن ثورة الخامس والعشرين من يناير كانت بدرجة ما ثورة الموبايل، ووسائل التواصل الاجتماعى، حيث لعبت هذه الأدوات أدوار الحزب والقيادة فى التعبئة والحشد والتواصل وبث الأخبار، بمجرد وقوعها، ولعب جيل الشباب الذى تفتح وعيه على هذه الثورة فى وسائل التواصل الاجتماعى الدور الأول فى تفجير ثورة يناير.

تنفرد ثورة الخامس والعشرين من يناير، بالطابع السلمى أولا وتنفرد ثانيا بمزاوجتها بين الإصلاح والثورة، لم يحمل الشباب الذى فجر الثورة أية بذور للعنف إن من حيث النشأة أو التربية السياسية، فجميعهم أبناء عصرهم، عصر التواصل والاحتجاجات السلمية، كما أن الثورة طالبت النظام بإصلاح نفسه والقيام بالاستجابة للمطالب المشروعة فى العيش والحرية والعدالة الاجتماعية.

تميزت الثورة بمرونة الشعارات العيش، الحرية، العدالة الاجتماعية وهى شعارات عامة لم تترجم فى برنامج سياسى، قد يكون موضع اختلاف بين القوى التى شاركت فى الثورة، وهذه المرونة فى الشعارات هى التى سمحت لعديد من الفئات بالانخراط فى الاحتجاج والثورة؛ لأن هذه الشعارات ابتعدت عن الايديولوجيا ولم تنخرط فى القوالب الأيديولوجية القومية أو اليسارية، بل كانت أقرب إلى المفاهيم الحقوقية المرتبطة بثقافة حقوق الإنسان العالمية.

عرفت الثورة والثوار ما يريدون مع تطور الأحداث أى إسقاط النظام، ولكنهم لم يعرفوا اليوم التالى لإسقاط النظام أى البديل، وفى هذه النقطة بالذات يكمن ضعف الثورة وموطن الغدر الذى تعرضت له من قبل جماعة الإخوان المسلمين وحلفائهم من جماعات الإسلام السياسى، الذين عرفوا ما يريدون وكيفية استثمار هذه الظروف.

يحق القول إن ثورة 25 يناير هى بحق الثورة المغدورة غير أن الغدر لم يأت كما فى الحالة السوفيتية من البيروقراطية الستالينية التى سيطرت على مقاليد الحكم بالقمع والإكراه وتجريم الاختلاف، وحولت الاشتراكية إلى نظام ممنهج للقهر والخوف وقمع الروح والفكر والاختلاف، ولكنه جاء من قبل هذه الجماعة المتأسلمة أى الإخوان المسلمين ومن يؤيدهم من الجماعات المتأسلمة.

ومظاهر الغدر التى تعرضت له ثورة الخامس والعشرين من يناير من قبل الإخوان المسلمين وحلفائهم عديدة، نخص بالذكر منها أنهم منذ البداية لم يشاركوا فى صنع الثورة أو إشعال فتيلها، بل وقفوا منها موقف المتفرج فى البداية، إلى أن تيقنوا أن هذه الاحتجاجات ليست كسابقتها وأنها فرصة لن تتكرر لتحقيق طموحهم، وبذلك أى عند دخول الإخوان على الخط، دخل معهم العنف المدبر مسبقا، الاقتحام المنظم لأقسام الشرطة والاستيلاء على الأسلحة واقتحام السجون وغيره من أشكال العنف الذى رافق هذه الثورة والثورة منه براء.

مع تخلى الرئيس الأسبق مبارك عن الحكم وتسليم مقاليد الأمور للمجلس العسكرى، نصب الإخوان بأذرعهم الإعلامية والسياسية والإرهابية أنفسهم كمتحدثين باسم الثورة ومفوضين من قبل الثوار، وفرضوا أجندتهم بحكم تنظيمهم وقدراتهم التنظيمية وموازين القوى السياسية على مسار الأحداث، فى إجراء التعديلات الدستورية وإجراء الانتخابات قبل الدستور، وذلك بهدف إبراز ضعف القوى السياسية والمدنية والعلمانية، وإظهار قوتهم فى الشارع ولدى الرأى العام المصرى، وتحقق لهم ما أرادوا، وسرعان ما تنكروا لوعودهم للقوى المدنية والليبرالية، وانفردوا تقريبا بتحديد المسار الذى أوصلهم إلى الحكم.

أهم مظاهر الخداع الذى تعرضت له الثورة من قبل الإخوان تمثل فى الزعم بأنهم قادرون على تحقيق مطالب الثورة فى الحرية والعيش والكرامة والعدالة الاجتماعية، فى حين أن مشروعهم السياسى والفكرى لا علاقة له بهذه المطالب؛ لأنه يرتبط بمفهوم الدولة الدينية والخلافة والتسلط الدينى والتمسك بصيغه للإسلام الشعائرى، لا تتناسب مع طبيعة الإسلام السمحة ودعوته الكونية، كما أنها لا تتناسب مع المزاج الدينى العام للمصريين الذى يجمع بين احترام الدين وعدم تديين السياسة، ويرفض التمذهب والتفريق بين المواطنين على ضوء دياناتهم ومعتقداتهم.

وتبين للقاصى والدانى الوجهة التى يقصدها حكم الإخوان أى وجهة الدولة الدينية، والفتن الطائفية وإطلاق العنف من عقاله ضد المصريين، من خلال التنظيمات الإرهابية والمسلحة فى الشوارع والميادين، وأنهم جاءوا ليبقوا إلى الأبد، وأن مفهومهم للديمقراطية والانتخابات هى أن تجرى مرة واحدة وتصل بهم إلى الحكم وبعدها فليذهب الجميع إلى الجحيم.

اكتشف المصريون خطر الإخوان والدولة الدينية على هويتهم ونمط معيشتهم وتدينهم وواصلوا الاحتجاج ضد حكم المرشد والجماعة، وأيدت مطالبهم القوات المسلحة فى الثلاثين من يونيو عام2013، وتخلصت مصر من الظلامية المعاصرة، لتستأنف مسيرتها فى الدولة المدنية والمواطنة والمساواة ومقاومة الإرهاب، وتجفيف منابعه المادية والفكرية واستكمال النهضة الحضارية. تختزن ذاكرة المصريين فى الوعى السياسى والاجتماعى دروس هذه الثورة فى تاريخهم السياسى الحديث، باعتبارها صفحة مضيئة يمكن قراءتها بين الحين والآخر، بل والاسترشاد بها عندما تدعو الضرورة.


لمزيد من مقالات د. عبد العليم محمد

رابط دائم: