رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حين يتعلم الأستاذ من التلميذ

لحظة استيقاظى كل صباح فأنا أتذكر ثلاث ابتسامات فى تاريخى الابتسامة الأولى للجليل حقا وصدقا الروائى الفذ فتحى غانم رئيس تحرير صباح الخير عام 1959 هذا الذى آمن بأن كل جيل جديد هو المعين بالأجيال التى سبقته فقد كان يرى أن التلميذ هو المعلم الأول للأستاذ فخبرة التلميذ الطازجة تنظر إلى الوراء بعيون ناقدة وتنظر إلى المستقبل بعيون طازجة البراءة أما الابتسامة الثانية فهى للكاتب الساخر محمود السعدنى الذى كان يعطى قلبه لمن يستطيع أن يكتب جملة موسيقية تتراقص بين الصدق والحلم أما الابتسامة الثالثة فهى للجليل حقا وصدقا الفنان سيف وانلى سيد الألوان الطازجة التى تشرب من صفاء البحر وتعبر عن الإسكندرية التى تغلغل صفاؤها فى البحر المتوسط لتأتى بمعجزات البراءة والنضج عبر الأمواج الصاخبة شتاء الهادئة ربيعا.

ولم تكن الإسكندرية بهذا الزحام المكروب الذى تعانيه حاليا, فكانت شوارعها أقل ضجيجا وأكثر رحابة.

ومن أصحاب الابتسامات الثلاث تنهمر فى ذاكرتى صور متلاحقة من الثقة بالنفس أهدانى إياها الثلاثة الكبار.

فلم يكن فتحى غانم فقط رئيس تحرير يرأس عددا من الشباب يحررون مجلة للعقل الشاب والقلب المتحرر, كان أسلوب فتحى غانم فى التربية هو اختيار أدق الكلمات للتعبير عن الصدق العميق فهو وكيل نيابة سابقا المتفوق فى دراسة القانون يؤمن بأن العشرة آلاف صفحة التى يهضمها طالب الحقوق فى كل سنة بكلية الحقوق هى كشافات شديدة الضوء تجعل الرائى يستنبط تفاصيل الصورة البعيدة التى تلوح فى أفق الخيال.

أما عن تشجيعه للقلب الشاب الذى كنته فهو بلا ضفاف وكان يعلم صداقتى مع الفنان سيف وانلى الذى يوجز صفاء السماء فى ألوان لوحاته وكان فتحى غانم يسعد كثيرا حين أنقل له موجز لقاءاتى مع سيف وانلى حين بدأت أكتب أول رواية تسجيلية عن حياة هذا الفنان الجليل (سيف وانلى).

ولن أنسى لهفته على لقائى يوم أن فقد سيف وانلى شقيقه وقال (هل يمكن أن يرحل أدهم وانلى ولا تكون بجانب سيف فى هذه اللحظة الصعبة), وأمسك بالقلم وكتب رسالة لخزينة روز اليوسف بأن تصرف لى عشرين جنيها حتى أسافر للإسكندرية لأعزى سيف وانلى.

وفى الإسكندرية كانت عيون سيف لا تتوقف عن البكاء ولم يكن هناك من أحد قادر على مواساة سيف مثل مخالى صاحب (إيليت), هذا اليونانى الذى جاء الى الإسكندرية فى أواخر الحرب العالمية الأولى وعاش فيها ليؤسس هذا المطعم الراعى للفنون (الإيليت), ولن أنسى أن مخالى أذاع بالإيليت السيمفونية التاسعة لبيتهوفن وهى تحكى بشجن عميق لحظة مواجهة الإنسان لآلام الافتراق ليتبعها بموسيقى الهولندى الطائر لفجنر وعلى ضوء قطرات الماء المنهمرة من سماء الإسكندرية جلسنا نحن الثلاثة سيف ومخالى وأنا نرى دموع السماء وهى تودع أدهم وانلى.

وفى القاهرة استقبل فتحى غانم كلماتى عن وداع أدهم وانلى بترحاب حبيب.

وكنت أحمل فى يدى لوحة رسمها سيف وانلى لمحمود السعدنى الكاتب الساخر وكان سيف قد رسمها لمحمود محبة لصفاء السخرية فى كلمات محمود السعدنى, ولا أحد يمكن أن يتخيل بريق الفرح الممتزج بلمعة الدموع فى عيون محمود السعدنى وهو يشاهد اللوحة التى رسمها له سيف وانلى. لا أنسى أنى سألت الفنان سيف وانلى لماذا رسمت محمود السعدنى, أجابنى: هل رأيت فى حياتك هذا الصفاء البارع فى ضحكات محمود السعدنى, هذا واحد من أعظم الساخرين فى هذا العالم.

كانت التذكارات الحبيبة تنسينا أهوال ما يصلنا من دموع المعتقلين فى صحراء مصر بناء على أن جمال عبد الناصر لم يكن يمكن له أن يسمح بوجود معارض له خارج أسوار المعتقل وكان يرى أن نجاح عبدالناصر بسرعة فى إتقان ثورة يوليو كفيل له بأن ينسيه أن هناك من شباب مصر من رفض أن يسير كالقطيع وراء شعارات ثورة يوليو.

ولم أكن قد عرفت بتفاصيل مقتل شهدى الشافعى عطية هذا الذى تمنيت أن يصبح كتابه هو الدرس الأول فى مقررات الجامعة فكارثة عبدالناصر أنه آمن بأن أى تنظيم سياسى لا يحمل توقيعه هو تنظيم سياسى مضاد لمستقبل مصر. وعن نفسى لا أنسى أن الكاتبة الفرنسية سيمون لاكوتير قالت لى (عبد الناصر الذى تحبه هو قاتل) أنكرت عليها هذا القول وطالبتها بأن تنظر للبناء الشاهق (السد العالى)

وكيف أن عشرات المئات من الأراضى ستنتج قمحا وقطنا وسينهمر الخير من فوهات تخزين مياه السد العالى.

وكان سيف وانلى كثير التساؤل (لماذا يأتى الخير من دماء من حلموا به؟).

..............................................................

عندما دهمتنا كارثة الانفصال بين مصر وسوريا اندهشنا أن عبد الحميد السراج السورى الحاكم فى سوريا مثل عبد الناصر قد غفل عن قلة من فاقدى الضمير الذين قاموا بانفصال مصر عن سوريا.

تتوالى الأيام ليأتى مشروع (الميثاق الوطنى) لأسمع مع فتحى غانم صوت عالم النفس الجليل صلاح مخيمر فهو يقول مخاطبا لعبد الناصر (يامعلم الشعب إن الذين حولك كالمرايا يعكسون الضوء الصادر منك إليك ويعطون الوجه الأسود للشعب).

كان حلم سيف وانلى ومحمود السعدنى وفتحى غانم ينهمر بدموع لا يراها أحد فقد كنا نريد انتصارا مفاجئاً لم نضع لبنات بقامته.

...............................................................

ودهمتنا كارثة الخامس من يونيو لتتجمد الدموع والعيون ونتذكر ضرورة السعى لكرامة مصرية بهزيمة إسرائيل.


لمزيد من مقالات منير عامر

رابط دائم: