رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

اللامساواة القاتلة

تتواتر قصص المعارف والأصدقاء عن تجاربهم مع معامل التحاليل الطبية المختلفة، لترسم ملامح متقاربة لنفس الصورة، حيث تذهب لعمل تحليلات فيروس كوفيد، والتى أصبحت ممارسة متكررة سواء بسبب المرض أو الاشتباه، أو لدواعى السفر، وقد يأتيك فنى معمل التحاليل فى زيارة منزلية بعد أن أصبح ضيفا مألوفا، أو تفاجأ بغيره من الوجوه الجديدة من جيوش العمالة المؤقتة (الزهورات) الذين استعانت بهم المعامل الطبية لمواجهة جنون الطلب على التحاليل الطبية. وفى أثناء المعاملة، قد يتم إقناعك بحاجتك لإجراء بعض التحاليل الإضافية، أو لفت نظرك لمزايا الاستفادة بهذه الباقة أو تلك من التحاليل التى يؤهلك لإجرائها حيازة بطاقة ائتمانية، أو عضوية ناد اجتماعى. وفى كل الأحوال، يتحول المريض إلى عميل، وطاقم الأجهزة الطبية إلى مندوبى تسويق ومبيعات، لأن دخلهم على الأرجح أصبح، وفقا للممارسة الشائعة فى العديد من القطاعات، مرهونا بما يحققونه من حجم أعمال (تارجت)، بينما يتقاضون أجرا رمزيا ثابتا، مما يستلزم إقناع المريض بحاجته لإجراء المزيد من التحاليل.

وتلقى دعابة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعى الضوء على الوجه الآخر لتلك الظاهرة، فحواها أن المصدر الثانى للثروة بعد النفط فى العالم أصبح تحليل (بى سى آر) فى مفارقة كاملة، حيث الأرباح الخيالية على جانب، والعمالة المؤقتة وغير الآمنة على الجانب الآخر. ولا تقف المفارقة عند هذا الحد، فهذه اللقطة بتناقضاتها تتربع على قمة جبل من مظاهر اللامساواة وتداعياتها التى كشفتها أو فاقمت من آثارها جائحة كورونا على مدى العامين الماضيين.

فحين بدأت الجائحة، شاع الاعتقاد بأنها ساوت بين الجميع، الغنى والفقير، ومواطنى الدول الفقيرة والمتوسطة والغنية، الكل أصبحوا سواسية أمام احتمال الإصابة بالمرض وشبح الموت، ولكن أبسط الملاحظات تكشف أن الأمر أبعد ما يكون عن هذا الظن. فقد أظهرت الجائحة أن من يستطيعون إجراء التحاليل والأشعات على نفقتهم الخاصة هم أقلية، ومن يمتلكون القدرة على العلاج فى مستشفيات خاصة هم صفوة، ومن لديهم القدرة على الاستعانة بالتمريض أو الرعاية الصحية المنزلية التى أصبحت اختيارا مفضلا فى ضوء نقص الأماكن المتاحة فى المستشفيات فى فترات الذروة، أو بسبب المخاوف من العدوى والعزل المرتبط بالمستشفيات، هم كذلك فئة محدودة نسبيا من القادرين. حتى الدواء، أو ما يعرف ببروتوكول العلاج، يتمايز بين مستويات، فهناك من يستطيع شراء أدوية سيولة الدم ومضادات الفيروسات المرتفعة السعر، وهناك من يقنع مضطرا بالبديل الأرخص. ولا تقتصر اللامساواة على مستوى الرفاهية المصاحب للخدمة الصحية، وإنما قد تطال الحق فى الحياة نفسه، فوفقا لتقرير لمجلة إيكونوميست إن الدخل يعد متغيرا أكثر أهمية من السن فى تحديد احتمال الوفاة بسبب كورونا.

وتمتد تداعيات كورونا فى علاقتها باللامساواة خارج نطاق القطاع الصحى، وترتبط بأبسط مظاهر القدرة على الحفاظ على الدخل ولقمة العيش. فمع اعتماد العالم بشكل متزايد على أشكال التوظيف غير الرسمي، والعمالة الموسمية والمؤقتة، تضررت دخول شرائح واسعة حول العالم بشكل مباشر، حيث تراجعت قدرتهم على الصمود فى وجه الإغلاق، والتباطؤ، خاصة أن ذلك يتم دون غطاءات تأمينية أو أطر حماية، ناهيك عن تضرر قدرة العمالة اليومية على تحمل انقطاع الدخل فى حالة الإصابة.

ويشير تقرير صادر مؤخرا عن منظمة أوكسفام الدولية المعنية بمكافحة الفقر فى العالم بعنوان اللامساواة تقتل: ضرورة اتخاذ إجراءات استثنائية لمكافحة اللامساواة غير المسبوقة عقب جائحة كورونا، إلى مفارقة الرابحين والخاسرين من جراء الجائحة، مؤكدا أن الظواهر المذكورة التى قد تبدو غير مترابطة هى فى الحقيقة جزء من نفس المنظومة أو ما يسميه التقرير المرض الدفين الذى تفجر الوباء على خلفيته، فالوباء الذى ظهر فى لحظة يتصدع فيها عالمنا تحت وطأة اللامساواة، أدى بدوره إلى تفاقم مظاهرها بشكل فج.

فعلى سبيل المثال، يرصد التقرير أن أغنى عشرة أشخاص في العالم قد تضاعفت ثرواتهم منذ بداية الجائحة، بينما تراجع دخل ٩٩٪ من البشرية، وانضم نحو ١٦٠ مليون إنسان إلى صفوف الفقراء.ومن الأرقام الدالة كذلك أنه منذ بداية الجائحة، يولد ملياردير جديد كل ٢٦ ساعة، بينما تسهم الجائحة فى وفاة شخص كل أربع ثوان لعوامل تصلب اللامساواة مثل الفقر أو نقص الخدمات الصحية.

بعبارة أخرى فإن تداعيات المساواة على حياة البشر أصبحت نوعا من العنف ذى الطابع الاقتصادى، حيث تتقاطع العوامل الاقتصادية والصحية وتغدى بعضها بعضا، وهى حالة ليست بدهية أو طبيعية، وإنما قاتلة، ليس لفرص البشر فى حياة أفضل فحسب، بل قد تكون - كما تشير أوكسفام- قاتلة بالمعنى المباشر للكلمة!


لمزيد من مقالات د. هناء عبيد

رابط دائم: