رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ما بين صوت العقل وهمسات القلب..!!

هل صادفت ذات مرة شخصا، كل الشواهد والأسباب المنطقية تدفعك للثقة به، لكن شيئا ما فى نفسك حذرك من الاقتراب منه، ثم كشفت الأيام صدق حدسك الذى كذبته، من قبيل عدم سوء الظن أو لغياب أدلة تدعم إحساسك بدلائل مادية؟! فتش فى ذاكرتك وستجد عشرات وربما مئات من الأحداث المشابهة التى يفسرها البعض بالحاسة السادسة وصدق الحدس، أو أن قلب المؤمن دليله، بينما يعتبرها البعض مصادفات أومبالغات غير مقبولة فى عصر الذرة!!

فمن المعروف أن تسييد التفكير العقلانى أسقط العديد من المفاهيم وسفهها كردود الفعل العاطفية التلقائية المتسرعة والسلوكيات غير المبررة بأسانيد عقلية ومنها بالطبع الحدس، الذى اكتسب فى عالمنا اليوم خاصة فى الدول الأوروبية سمعة سيئة، إذ يعتقد كثيرون أن البشرية لم تحقق تقدما إلا عندما تخلت عن التفكيرالغيبى البدائى وتبنت منهج التحليل العلمى والتجربة. وكرد فعل طبيعى لهذا المنطق بات معظمنا يعتبر المشاعر والحدس عناصر غريبة، لا يمكن أن يستدل بهما على نتائج نهائية، وبتنا نؤكد ضرورة أن نتخذ كل القرارات اعتمادا على العقل فقط. ونخجل ونخشى أن نعترف بأن حدسنا أو عدم اطمئنان قلوبنا كثيرا ما يكون سببا فى الكثير من سلوكياتنا!!

وهنا دعونا نتخيل لو أن مدير شركة كبرى أعلن قرارات مهمة وبررها بأن حدسه أو أن قلبه دله على ذلك!! ..من المؤكد أنه سيُتهم بالجنون أوعلى أقل تقدير بعدم صلاحيته لمنصبه حتى لو أثمرت قراراته عن نتائج مبهرة، وسيتم تبرير ذلك النجاح باعتباره مجرد صدفة أو أن ثمة شيئا يدور فى الخفاء!!

ولكن بإعادة العلوم التطبيقية النظر فى منهج الاستسلام للشواهد المادية فقط، وتزايد انتشار التعلق بالغيبيات لحد الشعوذة والدجل، وتطور مناهج العلوم الإنسانية، هاهى علامات الاستفهام تطل برأسها لنتساءل دون وجل عن ماهية الحدس ومدى إمكانية تقبله فى عصرنا كخريطة طريق؟! فهل الحدس هوما أطلق عليه الصوفية الذائقة أم أن الأمر مجرد تراكم لخبرات فى وعى جمعى عبر السنين يتم استدعاؤها تلقائيا فى اللحظات الحرجة؟!

الاجابة جاءت من خلال بعض الدراسات التى اعترفت بالحدس كنمط تلقائى سريع لا واعٍ لتفكير مختلف عن التفكير التحليلى الذى يتسم بأنه منطقى واع متعمد وأبطأ إيقاعاً، والاختلاف بين نمطى التفكير لا يعنى تبنى أحدهما ونبذ الآخر، فمن الممكن حدوث ارتباط بين التفكير الحدسى ونظيره التحليلي، فى توقيت واحد وإن تعذر أن نحدد بدقة الوقت الذى يحدث فيه، نظراً لأن هناك الكثير مما يختلج فى نفوسنا بعيداً عن مستوى إدراكنا الواعى

وفى دراسة ظهرت قبل جائحة كورونا لخبيرة علم الأعصاب البريطانية «فاليرى فان مولوكوم» توضح الباحثة أن الحدس ليس مجرد مشاعر وردود أفعال عاطفية أو استجابات بليدة غبية يجب تجاهلها دوما أو أن نخضعها لمنهج الدراسات الإمبريقية الذى لا يمنح الشرعية لأى فكرة أو معلومة إلا استنادا على الواقع المحسوس، بواسطة أسانيد عقلية ومنهج التجربة والحقائق المادية..»

وتشير الباحثة الى أن نمطى التفكير يتكاملان ويمكنهما العمل معاً بشكلٍ متناسق ومتناغم وأن الواقع يثبت أننا نوظفهما بانتظام جنباً إلى جنب، ذلك أن الدراسات العلمية قد تبدأ بمعرفة ذات طابعٍ حدسيٍ تُمَكِّنُ العلماء من استنباط أفكارٍ وافتراضاتٍ إبداعية، يمكن التحقق من صحتها لاحقاً عبر إخضاعها للتجربة والتحليل. وتضيف قائلة «بينما يُنظر إلى الحدس على أنه أمر غير دقيق يكتنفه الغموض، إلا أن للتفكير التحليلى مضاره أيضا ذلكً أن الإفراط فى التفكير قد يعرقل اتخاذ القرار وفى حالاتٍ أخرى يتحول لـ«توليفة» من المبررات للاقتناع بقراراتٍ اتخذناها استناداً إلى التفكير الحدسى أو الغريزى» والآن هل يتعين علينا الاعتماد على حدسنا فحسب عند اتخاذ القرارات المهمة؟!»

أظن أننا بحاجة إلى الاثنين ويا حبذا لو اتفقا ليصبح العقل محاميا للحدس، لنقول دون وجل أو تردد «قلبى وعقلى دليلى» ..


لمزيد من مقالات سناء صليحة

رابط دائم: