رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تلك الأيام
قدماء المصريين أول الموحدين

لا أحد يعرف من أين جاءت حكاية تكفير ملوك الفراعنة العظام اولئك الذين شيدوا حضارة يقف العالم عاجزا أمام عبقريتها، حضارة قامت على الحق والعدل والخير.. تلك الصفات التى لا تأتى للإنسان فى هذا الزمن الموغل فى القدم دون الإيمان بقوة كبرى تمنعه من الظلم والجبروت.. قوة الله التى كان يؤمن بها المصرى القديم يؤمن بها الفرعون، ويؤمن بها عامة الشعب.. فيكون العمل والحق والخير والعدل «ماعت» خشية عقاب الله الواحد الأحد فى الآخرة.

فمن أين جاءت فكرة الفرعون الكافر تلك التى نتجرعها صباحا ومساء، دون الالتفات إلى عبقرية المصرى القديم، وتسامحه وعدله وحضارته؟.

هذا السؤال الغريب العجيب يجيب عليه دكتور نديم عبدالشافى السيار وهو طبيب أزهرى مصرى أصدر كتابا بعنوان «قدماء المصريين أول الموحدين» اصدره عن مطابع الأهرام، وانتبه إلى هذا الكتاب الذى صدر عام 1995 الكاتب الراحل دكتور مصطفى محمود والكاتب الكبير صلاح منتصر أمد الله فى عمره، فكتب عنه مصطفى محمود فى الأهرام قائلا! إن هذا الكتاب يسد فجوة فى الثقافة الموجودة، ويجيب عن الخطأ الشائع الذى روجته اليهودية، بأن الحضارة المصرية القديمة كانت حضارة وثنية تعبدالأصنام والآلهة المتعددة، ولا تعرف التوحيد، وأن النبى «موسى» هو أول من دعا للتوحيد بين المصريين...

ويضيف دكتور مصطفى محمود أن الكتاب يثبت أن فرعون الخروج لم يكن رمسيس ولا أى فرعون مصرى بالمرة، وإنما كان سادس ملوك الهكسوس الذين احتلوا مصر.

وأن الأنبياء إبراهيم وإسماعيل ويعقوب ويوسف كلهم نزلوا مصر فى عهد الهكسوس، وكانت دعوتهم للتوحيد، خاصة بهؤلاء الهكسوس الوثنيين، وليس للمصريين الموحدين.

وأن الحضارة المصرية الموحدة كانت نبع الحكمة الذى استقى منه إبراهيم أبو الأنبياء وأبناؤه الديانة الادريسية الحنيفية الصافية، فقد درس إبراهيم، وهو فى مصر أصول الحضارة المصرية، وقرأ صحف النبى إدريس، ولم تنزل عليه الرسالة إلا بعد ذلك، وهو فى سن الخامسة والثمانين. وكتب صلاح منتصر: إن البحث الذى قدمه الدكتور نديم السيار يعتمد على القرآن والانجيل والتوراة والمنطق.. ويقنع من يقرأه بصحة النظرية التى توصل إليها بأن «فرعون» موسى من الهكسوس.. والمؤلف يملك أقوى الحجج والبراهين فى ذلك.

ولعل أهم ما كشفه كتاب نديم السيار هو أن فرعون موسى كان أيام الهكسوس المحتلين، وأن الأنبياء إبراهيم وإسماعيل ويعقوب ويوسف نزلوا مصر فى عصر الهكسوس الذى بلغ 150 سنة وفى بعض الأقوال ضعف هذه المدة.

ولابد أن يكون هؤلاء الأنبياء مصريين أو متأثرين بتلك الحضارة المؤمنة التى كانت تقوم على العدل والحق والخير، وأنهم لفرط الظلم الذى قام به الهكسوس ضد مصر وحضارتها، كانوا المصلحين الذين دافعوا عن الحضارة المصرية، وعن الإنسان المصرى، ودعوا إلى الوحدانية التى دعت إليها مصر طوال تاريخها.

كان هؤلاء الأنبياء مصلحين عظاما ضد جبروت وطغيان الهكسوس، ولكن كلمة هؤلاء الأنبياء فشلت فى ازاحة هؤلاء الظالمين وإبعادهم عن مصر، بينما نجح فى ذلك البطل أحمس ثم جاء «تحتمس»، وقام ببناء أكبر امبراطورية عرفها العالم القديم.

كما نلاحظ أن كل الأنبياء الذين نزلوا مصر أيام الهكسوس كانوا غير مصريين، ومعظمهم آراميون، وأغلب الظن أنهم كانوا طلاب علم فى جامعة منف، ونبغوا فى علوم الحضارة المصرية القديمة ومنها علم التوحيد، وأنهم أدركوا عظمة هذه الحضارة، فراحوا يدعون الهكسوس الأجلاف الى أن يكونوا أكثر عدلا ورحمة بالشعب المصرى المؤمن، وكانت دعوة هؤلاء الأنبياء لملوك الهكسوس أن يؤمنوا بالله ويكفوا عن ظلم المصريين ولكن هذه الدعوات راحت سدى ولم يؤمن إلا قليل، وظلت مصر تعانى الهكسوس حتى تحررت على يد البطل أحمس.

ويذكر الكتاب أيضا أن لقمان الذى ذكره القرآن الكريم «إذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بنى لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم»، هذا الحكيم الموحد كان مصريا من الصعيد، كما ذكر الكندى وابن كثير والدميرى والمسعودى, وقال جواد على: إن عرب ما قبل الإسلام كانوا يعرفون لقمان، وكانوا يصفونه بالحكمة. ولهذا عرف بلقمان الحكيم، وقدر العلماء الفترة التى كان موجودا بها لقمان بأنها أيام الأسرة الـ 21.

ويقول المؤلف: إن إبراهيم كان من الاراميين، وجاء نبيا للهكسوس، والهكسوس كانوا خليطا من القبائل الآرامية التى تسكن الشام.

ويذكر العقاد أن التوحيد لم يكن مجهولا قبل عصر إبراهيم، حيث كان المصريون الاقدمون يؤمنون بالإله الواحد.. وكانت كلمة «الله» هى القوة التى تفعل ما تريد.

وأن إبراهيم عندما جاء إلى مصر.. كان من أهم أهدافه الالتقاء بكهنة المعابد المصرية.. لسماع ما يقولون عن الإله الواحد.

اعتزم إبراهيم الهجرة إلى مصر ليصيب من خبراتها، ويسمع ما يقوله أحبارها فى أمر «الله».

ويرجع المؤلف إلى عشرات المصادر فى الفكر والتاريخ والكتب الدينية، من العقاد وعبدالحميد جوده السحار وشوقى عبدالحكيم إلى الطبرى وابن كثير، ومن سليم حسن وأحمد فخرى إلى القرآن والتوراة والإنجيل ليؤكد حقيقة أن المصريين القدماء كانوا موحدين يؤمنون بالله، وأن فترة الظلم والإلحاد التى أرسل الله خلالها الأنبياء إلى مصر، كانت هى فترة حكم الهكسوس، وكانت عنوان الظلم والقهر للمصريين وحضارتهم القائمة على العدل والتوحيد.

السؤال لماذا لا يتم الالتفات إلى هذه القراءة الجديدة لتاريخنا العريق، ومتى يتم إعادة كتابة تاريخنا بما يعيد لأجدادنا العظام مكانتهم السامية فى الحضارة والإيمان أيضا.

البداية يجب أن تكون من مناهج التعليم وخطباء المساجد، فنعلم أبناءنا حضارة أجدادهم ولغتهم التى كانت لغة الحضارة.. ويخطب الخطباء على المنابر وفى الكنائس بأن هؤلاء الأجداد كانوا مؤمنين موحدين قبل الأديان.


لمزيد من مقالات محسن عبدالعزيز

رابط دائم: