رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تزييف الوعى

الوعى حالة راسخة من تراكم المعارف والخبرات تؤثر فى الأحكام والتصرفات. وكل فرد سواء بتأثير من ميوله ورغباته الخاصة أو من وسطه الاجتماعى يكون حظه فى اكتساب وعى زائف أكبر من حظه فى اكتساب وعى صحيح. الوعى الزائف إذن ينشأ في الغالب بطريقة عفوية لا ننتبه إليها. وزائف تعني مخالفا للواقع الموضوعى. ورغم أن ذلك الوعى الزائف ليس قدراً لا فرار منه. الإطلاع المتواصل والتعامل مع الواقع المحيط بنا يرسلان لنا إشارات تدفعنا إلى تصحيح وعينا أولا بأول. كل هذا يتم بصورة تلقائية، تكاد تكون لا إرادية. ولكن ألا يوجد من يخطط متعمداً لتزييف وعى الآخرين؟ بالطبع يوجد فى كل المجتمعات وعلى مدى التاريخ. ولكن قبل التطرق لموضوع تزييف الوعى علينا أن نميز بينه وبين عمليات أخرى قد تشبهه لكن يحسن تجنب الخلط. عمليات مثل غسيل المخ، والتلاعب الإعلامى. 

غسيل المخ عملية تسعى للتحكم فى الأفراد تعتمد على إلغاء وعيهم وإرادتهم بحيث يسهل توجيههم بأوامر من الخارج، وتوجد برامج جهنمية معروفة للقضاء على الشخصية المستقلة لكل من يتعرض لغسيل المخ. وفى النهاية لا يكون لهذا الفرد وعى لا زائف ولا صحيح وانما أداة طيعة في يد من يوجهه. أما التلاعب الإعلامى فهو حالة عابرة تعتمد على تقديم معلومات مغلوطة بهدف التحكم في مواقف الآخرين بشأن موضوع معين. على سبيل المثال كانت الولايات المتحدة تريد أن تتحرك لضرب العراق، لكن لتجنب موجة الاستهجان العالمية على المستويين الرسمى والشعبى بدأت حملة إعلامية بادعاء زائف بأن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل. ولترسيخ الزعم إلى خبر تؤكده جميع وسائل الإعلام العالمية ويتناوله إلى جانب الساسة بل امتد إلى علماء فى الفيزياء النووية وفلاسفة وأدباء من كل أرجاء المعمورة بصورة تؤدى إلى تعطيل أى نزوع نقدى لدى المشاهد. وعندما تبدأ الطائرات بالقصف إذا لم يؤيد الرأى العام الهجوم فإنه على الأقل لن يعترض. وبعد سنوات نكتشف أنها خدعة ولكن الشر كان قد حدث. 

تزييف الوعى المقصود أمر يختلف فهو محاولة لترسيخ قناعات دائمة تهدف لتحقيق مصلحة من يقوم بالتزييف وفى الوقت نفسه تسمح للأفراد المعرضين لهذا التزييف بممارسة حياتهم الاجتماعية بصورة طبيعية. على سبيل المثال يمكن لدولة قوية أن تحتل دولة صغيرة فى يوم واحد بالاستناد إلى قوة السلاح لكنها لا تستطيع أن تستمر فى حكم سكان هذا البلد المحتل دون اللجوء للمعرفة. اقتناع الناس بشرعية الحاكم أفضل من قبول حكمه بدافع الخوف فضلاً عن أن تكلفته أقل. ومن هنا تلجأ القوى الاستعمارية إلى استخدام المعرفة عن الشعب وخصائصه وعاداته فى الوصول إلى النتيجة المرجوة وهى أن يعتقد الشعب بأن الحكم القائم جيد أو بأنه لا يوجد بديل. 

وكذلك الطبقات السائدة المستفيدة من الوضع القائم تميل فى العادة إلى إقناع الطبقات المقهورة بأن الوضع القائم هو الأمثل وأى تغيير سوف يؤدى إلى نتائج لا تُحمد عقباها، والعدل المنتظر سيتحقق في الحياة الأخرى. ويشير برتراند راسل إلى أنه فى إنجلترا عندما بدأت المطالبة بمنح النساء حق التصويت فى الانتخابات تحرك المعارضون على جبهات شتى، فهناك رجال دين يؤكدون أن هذا الإجراء مخالف لصحيح المسيحية وعلماء نفس يرون أن دخول المرأة بعواطفها إلى عالم السياسة الذي يحتاج للعقل والرزانة سوف يؤدى إلى كوارث وعلماء تشريح يؤكدون أن وزن مخ الرجل أثقل من وزن مخ المرأة. وعندما منحت المرأة حق الانتخاب عام ١٩١١ انقشعت كل هذه الحجج كسحب عابرة.

وهنا فى مصر يمكن أن نعتبر ردود الفعل المعارضة لدعوة قاسم أمين بتحرير المرأة في بداية القرن العشرين كانت نابعة من وعى زائف تشكّل بصورة تلقائية بفعل التاريخ والحياة الاجتماعية، ولكن الدعوة فى الربع الأخير من القرن العشرين للمطالبة بعودة المرأة إلى البيت ومنع الاختلاط هى عملية مخططة ومقصودة لتزييف الوعى سعى إليها الراغبون فى استمرار الاستبداد وحرمان الناس رجالا ونساء من حريتهم.هم يعلمون بأن قبول المواطنين للاستبداد يبدأ دائماً بإقناعهم بضرورة قمع النساء. 

سواء كان زيف الوعى نابعاً من أوهام الذات أو مستمداً من الأفكار التى يمليها الآخرون فإن السبيل الوحيد لتحررالوعى هو قبول النقد وممارسته. النقد لا يقدم معرفة لكنه يسهم فى هدم المعارف الزائفة. وهذه بداية لا غنى عنها إذا أردنا أن نمتلك وعياً صحيحاً. 


لمزيد من مقالات د. أنور مغيث

رابط دائم: