رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فى مواجهة شيوع آثار التراجع

حَول الإنسان المنشود تدور كُلُُّ الرسالات، لتَجعل منه النموذج القادر على ممارسة فعل الإعمار، وإلى مَثْلِه تتطلعُ كل الأوطان لتتخذ مِنه اللبنات القادرة على تطويرها معنىً ومبنى. وفى أوقات الأزمات والملمات والتحديات يكون التأهُل فى مواجهتها أَوَّل ما يكون باستحضار مقومات الإنسانية الفطرية التى تنتصر لكليات الحياة الأساسية شاملة الاعتقاد والنفس والعقل والعرض والمال، فبالإنسانية السوية تلوذ الأمم فى مواجهة الأزمات، مُعتصمة بحبلها لتتجاوز موجات الملمات، ومُتترسة بدروعها لتُنازل مُختلف التحديات.

إنَّها التذكِرةْ اللازمة لضمائرنا بينما يتوالى على وعينا حوادث عُنوانها (التسريب) وأبطالها مُدعو فضيلة أو مُتاجرون بها قرروا أن يكون هتك الأستار حرفتَهم وتتبع العوارات صنعتهم والسير فى ركاب السقطات فنهم، وإنْ ادعوا تدينًا فضحت زيفهم نصوص الترغيب فى الستر والترهيب من الفضح وتتبع العورات، وإن تستروا بالفضيلة كان ارتكاب فعل الهتك للحرمات والخصوصيات فاضحًا لسوءة جرمهم، وإن رفعوا الوطنية مُبررًا لممارسة التلصص فالوطن منهم براء إذ لا تستقيم أوطانٌ لا يأمن مواطنها وقاصدها على خصوصية.

هكذا توصيفٌ على ما فيه من وجع إلا إنه يظل الأجدى تأثيرًا فى واقع يفرض علينا إيقاعه المواجهة، قبل أن يوقظنا صبحه على أشباه بشر يسكنون أجسادنا، ساديون يستعذبون اصطياد لحظات الشطط أو حتى الحرية الشخصية، تطورت تكنولوجيا الرصد تسجيلًا وتصويرًا فى أياديهم، ورانت رِدَّة حضارية على نفوسهم، فاستبدلوا غض البصر على ما يستهجنونه بتصويره، واستعاضوا عنْ النصيحة لمرتكب ما يستقبحونه بالفضيحه تسجيلًا، واستحال القُبح والشذوذ والهفوات والسقطات أهدافًا لصحافة المواطن عبر نوافذ التواصل الاجتماعى الإلكترونية، وصولًا إلى أن يُتاجر بها صِناعة وترويجًا بعض نجوم الإعلام البديل (البلوجرز)، ويتحوَّل الكل إلى عناوين فى سوق فوضوى يحكمه الباحثون عن أرباح يصنعها (التريند) بغض النظر عن أى قيمة إيجابية أوأى آثار سلبية.

يُجمِع علماء المصريات على أن الإنسان المصرى القديم ارتقى بإنسانيته حتى استطاع أن يبنى حضارة تخلد على مدى التاريخ، وكُل حديث عن استعباد للمصرى القديم يمثل العارض عن أصل حاكمه استشعار عموم المواطنين لقيمة إنسانيتهم إيمانًا بـ (ماعت) إلهًا للحق والعدل والنظام فى الكون، وهو الإيمان الذى يُفرق المصرى الإنسان عن الغريب المُتوحش الذى يُقيم خارج حدود مصر غير معترفٍ بيقين أو إله أو قانون، وعلى البدء يكون العَوّدْ أملًا فى بلوغ شرف استرجاع مجد كُناهُ.

فى مُقدمته المسطورة قبل سبعة قرون يُحذر ابن خلدون الأمم من عِلل مهلكات تنخر فى مقومات إنسانية مواطنيها قائلًا (عندما تنهار الدول، يكثر المنجمون والمتسولون، والمنافقون والمدّعون، والكتبة والقوّالون، والمغنون النشاز والشعراء النظّامون، والمتصعلكون وضاربوا المندل، وقارعو الطبول والمتفيهقون، وقارئو الكفّ والطالع والنازل، والمتسيّسون والمدّاحون والهجّاؤون وعابرو السبيل والانتهازيون، وتتكشف الأقنعة، ويختلط ما لا يختلط، ويضيع التقدير ويسوء التدبير، وتختلط المعانى والكلام، ويختلط الصدق بالكذب)، كتَبَ ابن خلدون ما كتَبه قبل أن تُصبِح عدسات التصوير مُتاحةً فى كل يد، أو يسكن الناس عالما افتراضيا، أو يلهث المستثمرون والباحثون عن الثراء خلف (التريند)، وقبل أن يتلصص جار على جارته الأجنبية، أو يفضحَ مُعلمٌ زملاءه فى رحلةٍ نيلية، أو يقرر صُناع المحتوى الإعلامى أن يوقظوا وعى عشرات الملايين على شذوذ أفعال أفراد لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة، كتب ابن خلدون قبل كل تجليات عصر الفوضى الخلاقة.

إن استهدافنا المسير نحو بعث جديد لجمهوريتنا لن يستقيم بغير حداءٍ عنوانه الانتصار لإنسانية المصري، وهو ما يبدأ بتعاشق صناعة الوعى مع أداءات المفوض بالإدارة بما يداوى علل التراجع فى عقود سابقة، وبما يدعم أصيل الإنسانية المصرية التى تنتصر لثقافة الستر الذى يحترم كل حُرمةٍ لخصوصية، وثقافة الجبر التى تقيم كل انكسار، وثقافة التسديد والتقريب التى تحمى كل ثغر، إنَّه الانتصار للإنسانية المصرية الخالصة لوجه الله والوطن.


لمزيد من مقالات عبد الجليل الشرنوبى

رابط دائم: