رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

السيارة الخاصة.. وأعباء الطبقة الوسطى

لا زلت أذكر وأنا صبى بقريتى فى قلب الدلتا كيف كنا نذهب إلى مدينة المحلة، لزيارة مكتباتها ودخول دور السينما وملعب كرة القدم بها منتصف ثمانينيات القرن الماضي. وكيف كنت أسافر منها إلى القاهرة وأعود عبرها إلى قريتى إبان دراستى الجامعية مطلع التسعينيات.

كانت المواصلات متاحة عبر شركتين للأتوبيس: المدينة ذات الباص الأزرق، والفؤادية ذات الباص الأحمر.

تُسيِّر كلتاهما بالتبادل رحلة كل نصف ساعة، ليصبح لدينا رحلة كل ربع ساعة، تنقل أبناء القرى المترامية على الخط الممتد من المحلة إلى قطور ذهابا وإيابا بدقة تقارب ساعة سويسرية.

يستمر ذلك حتى الساعة الثامنة والنصف مساء ثم تتوقف الحركة حتى العاشرة، فيتحرك باص واحد لكل شركة مقلا من تأخروا فى العودة لقراهم. ثم باص أخير منتصف الليل، يقل عمال شركة الغزل الذين أنهوا ورديتهم المسائية فى الحادية عشرة والنصف، إلى قراهم على طول الخط، ثم يعود بأهل المحلة إلى مدينتهم. كان الناس فى ظل هذا النظام يشعرون بالأمان والراحة النفسية، كأى مجتمع طبيعى، قبل أن يتوقف فجأة منتصف التسعينيات تقريبا، ليحل بديلا عنه عصر الميكروباص، الذى يتنافس سائقوه على الركاب نهارا، ويتسابقون على الطريق بسرعة تؤدى لارتكاب الحوادث، ثم يختفون بحلول الظلام، فلا يجد الناس ما ينقلهم إلى بيوتهم.

هذا السيناريو حدث تقريبا فى كل أنحاء مصر، حيث تدهور أسطول النقل العام أمام طوفان الميكروباص ثم الدراجات البخارية وأخيرا التوك توك، الذى وضع العمران المصرى فى قبضة العشوائية.

والحال هذه، بات اقتناء سيارة خاصة ضمانا للسلامة وحفظا للكرامة هدفا للقادرين، وغاية لمن يشتمون فى أنفسهم رائحة القدرة، ولو عبر الاقتراض والتقشف، فيما استمر غير القادرين فى معاناتهم الأبدية.

كانت السيارة دوما عبئا كبيرا على أصحابها، خصوصا أعضاء الشريحة الوسطى من الطبقة الوسطى، لكنها اليوم باتت لعنتهم الكبرى، فلا هم قادرين على التخلى عنها، ولا على تحمل أعباء تسييرها وترخيصها وصيانتها. فشخص يقطع خمسين كم يوميا للوصول إلى عمله والعودة منه، أى ألف كم شهريا، بسيارة متوسطة السعة اللترية، ينفق على البنزين نحو ألف جنيه، أى 16% من متوسط الدخل الشهرى لعضو هذه الشريحة، والذى يبلغ 6000 جنيه تقريبا. يدعى البعض أن سعر البنزين فى مصر، يظل رخيصا بالقياس إلى الأسعار العالمية، فهو ربع سعره، مثلا، فى انجلترا، إذ يترجمون سعر اللتر هناك وهو جنيه ونصف الجنيه الاسترلينى إلى ما يناهز اثنين وثلاثين جنيها مصريا، مقابل ثمانية داخل مصر.

ولكن تلك مغالطة حسابية فادحة، لأن راتب عضو الطبقة الوسطى الإنجليزى يناهز ستة الاف استرلينى، ويتكلف لسيارة متوسطة السعة اللترية، يقطع بها المسافة نفسها، نحو 180 جنيها، أى 3 % من دخله الشهرى، ما يعنى أن سعر البنزين فى مصر خمسة أضعاف مثيله فى انجلترا حسب مؤشر القوة الشرائية الواقعى، وليس مؤشر سعر الصرف الوهمي. وفى بلد كالسعودية يبلغ سعر اللتر ريالين ونصف الريال، بينما يبلغ متوسط دخل عضو الطبقة الوسطى أربعون ألف ريال، ما يعنى أن تكلفة تشغيل سيارته ثلاث مئة ريال شهريا، أقل من 1% من دخله.

على المنوال نفسه تأتى تكلفة الترخيص من رسوم وتأمينات إجمالية، تضاعفت قيمتها لتبلغ فى حال السيارة المتوسطة نفسها ستة آلاف جنية لثلاث سنوات، أى مرتب شهر كامل لعضو الشريحة الوسطى من الطبقة نفسها. أى نحو نصف فى المائة من دخل عضو الطبقة الوسطى. والأمر نفسه ينطبق على المخالفات المرورية المغالى فى قيمتها، حتى إن البسيطة منها كزيادة السرعة الطفيفة، تبلغ خمسمائة جنيه أى ما نسبته 8% من الراتب الشهرى، ولن نتوقف عند مخالفات السير عكس الاتجاه، لأن مرتكبيها همجيون.

وعلى المنوال نفسه تأتى نفقات الصيانة السنوية داخل التوكيلات أو حتى خارجها مع الارتفاع المذهل فى أسعار قطع الغيار، وتحصيل ضريبة القيمة المضافة على كل قطعة عند تركيبها، رغم أن المستورد دفع رسومها الجمركية. ناهيك عن الكارتة التى تُحصل. أما قانون السايس الذى جرى تسريب بعض بنوده، ويقنن تكلفة ركن السيارة بعشرة جنيهات للمرة الواحدة، تتكرر حال انتقل الشخص من مكان إلى آخر، فيبدو كارثيا، لأنه يلتهم نحو أربعمائة جنيه أخري.

هذا بات امتلاك سيارة تحافظ على كرامة المصرى متوسط الحال نوعا من الجريمة جسديا، وأصحاب السيارات مرهقون نفسيا، يشعرون أنهم يحملون سياراتهم على أكتافهم بدلا من أن تحملهم هى إلى أعمالهم، فلم يعد ثمة فائض طاقة نفسية لدى أحد يمكن أن يمنحه لغيره، ولا حتى الابتسام فى وجهه، فالجميع غاضبون، متحفزون، يكادون يتبادلون اللكمات بدلا من الكلمات. للحديث بقية عن مسارات الخروج من المأزق.

[email protected]
لمزيد من مقالات صلاح سالم

رابط دائم: