رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

هذا الكتاب والكاتب

ُنشر هذا الكتاب منذ ثلاثة أشهر فقط، هو عن كيسنجر وفن الدبلوماسية فى الشرق الأوسط، وبالرغم من أنه عن حرب أكتوبر 1973 وما سبقها وما تلاها، إلا أنه ُيوثق أساسيات لما نراه من هذا التعاون الوثيق الأمريكى - الإسرائيلى فى المجالين الإستراتيجى والمخابراتى حاليا.

عنوان الكتاب الرئيسى هو مهندس اللعبة JASTER OF THE GAME ، قد تكون الترجمة الأفضل «اللعيب وألاعيبه» . الكتاب ضخم يبلغ 688 صفحة، وبه معلومات ثرية عن شخصية كيسنجر، ودوره كمستشار أشهر للأمن القومى ثم وزير خارجية، والذى اخترع - فعلا فى هذه المنطقة والدبلوماسية المكوكية. ونجح فى إبرام فك اشتباك بين إسرائيل وكل من مصر وسوريا، أولى اتفاقيات منذ اتفاقيات الهدنة فى 1949 وبالطبع فى المساحة المخصصة هنا لن يستطيع هذا المال إلا تقديم نبذة عن هذا الكتاب الضخم. وللمزيد ففى الإمكان النظر إلى تسجيل للحوار عن الكتاب مع مؤلفه فى «حوار التحرير» رقم 97 الذى نظمته كلية الشئون الدولية، والسياسات العامة بالجامعة الأمريكية تحت قيادة عميدها النشيط نبيل فهمي، وزير خارجية مصر الأسبق، فى 14 ديسمبر.

وتأتى أهمية الكتاب ليس فقط من موضوعه، ولكن بسبب مؤلفه أيضا: د.مارتن إنديك، الذى يجمع بين مهارة الباحث الأكاديمى وخبرة الدبلوماسي، ُولد إنديك فى بريطانيا فى 1951، ويحمل الجنسية الأسترالية والأمريكية، وهو قد ُيجسد للبعض ما يسمى «الحلم الأمريكي» فقد وصل للولايات المتحدة فى 1982 ليكون المدير التنفيذى للجنة الأمريكية - الإسرائيلية للشئون السياسية، وهى أكبر لوبى إسرائيلى رسمى تهدف إلى تشكيل السياسة الأمريكية فى منطقتنا. وبعد أسبوع من حصوله على الجنسية الأمريكية فى 1993 ُآختير عضوا فى مجلس الأمن القومى الأمريكي، وليرتفع بسرعة فى أعلى المؤسسات الأمريكية الرسمية: مثلا مساعد وزير الخارجية لشئون الشرق الأوسط 1997 - 1999 سفيرا للولايات المتحدة فى إسرائيل مرتين 1995 - 1997 و2000 - 2001 الممثل الشخصى للرئيس الأمريكى فى الصراع الفلسطنى - الإسرائيلى 2013 - 2014، كما عمل فى أكبر بنوك الفكر الأمريكية مثل بروكنجر، وهو الآن الزميل المتميز فى المجلس الأمريكى للشئون الخارجية. وكذلك يقوم بالتدريس فى بعض الجامعات الأمريكية، ولذلك فبالإضافة إلى تحليل سياسة الولايات المتحدة، ودور كيسنجر، فالكتاب يحتوى على خليط متميز من تجربة إنديك. وتفاصيل الأماكن والشخصيات السياسية فى المنطقة، وبعض الأحداث الطريفة، وفى أسلوب أدبى ممتع يساعد القارئ على المثابرة فى قراءة هذا المجلد الضخم، وبالرغم من ولعه بكيسنجر فهو لا يتورع عن نقد سياساته أحيانا.

بالنسبة لموضوع الكتاب نفسه، اللعيب كيسنجر، هذه بعض الاستخلاصات المهمة من هذا المجلد الضخم.

1 - مفتاح كيسنجر، وفلسفته السياسية يكمن فى رسالته للدكتوراة عن المؤتمر الأوروبى 1815، والذى كان نظاما متفقا عليه بين المجتمعين بقيادة المستشار النمساوى ميترنخ بعد هزيمة نابليون، وأهمية هزيمة أى روح ثورية عن طريق ما سمى «الاستقرار» أى المحافظة على الوضع الراهن. قام كيسنجر بتطبيق هذا المفهوم فى الشرق الأوسط وأعتقد أن ميترنخ يمنع أى تحول جذرى فى المنطقة حتى ولو كان تحقيق السلام، كان هذا السلام يؤدى إلى تحول جذرى فى المنطقة، هذا المفهوم للاستقرار يقوم على ميزان القوى الذى هو بالطبع فى مصلحة إسرائيل.

2 - اختزل كيسنجر منطقة الشرق الأوسط فى الصراع بين الشرق والغرب والحرب الباردة، ولم تكن أولوياته الصراع العربى - الإسرائيلى بل طرد السوفيت من المنطقة، وقدم حصول موسكو فى المنطقة على أية مكاسب بل الإثبات للجميع أن أى تقدم فى هذا الصراع يأتى عن طريق واشنطن، وواشنطن فقط، ولذلك اهتم بالسادات عندما طرد الخبراء العسكريين السوفيت قبل حرب أكتوبر، وانشرح كثيرا عندما ألغى السادات معاهدة الصداقة المصرية - السوفيتية بعد الحرب.

3 - حتى مقابلته السادات بعد حرب أكتوبر، لم يكن كيسنجر يعرف الكثير عن المنطقة العربية، ولم يزر أيه جزء منها، بعكس اتصاله وتواصله مع إسرائيل، بل كانت له نظرة غاية فى الدونية ناحية العرب. بل يؤكد إنديك فى ص 222 إحدى مقولات كيسنجر بالتدخل العسكرى الأمريكى لوقف الخطر البترولى بعد حرب أكتوبر وقوله «من السخرية أن يتم تهديد العالم المتمدين بواسطة ثمانية ملايين من الهمج والمتوحشين» ويقصد بهم دول الخليج.

4 - كان كيسنجر منذ صغره متعلقا بإسرائيل وكرر أكثر من مرة أنه فى صالح بقاء هذه الدولة الأقوى فى المنطقة، وذلك عن طريق الغش والكذب لكسب الوقت حتى تدعم إسرائيل أقدامها فى الأراضى المحتلة، بل مثلا وصل التواطؤ أن يتم الاتفاق مع الحكومة الإسرائيلية على موقف إسرائيلى معين فى محادثات فض الاشتباك، ولكن تعلن إسرائيل موقفا متشددا، ثم ترضخ لاحقا لما يبدو ضغط كيسنجر وتعلن موقفا معتدلا نسبيا، وهكذا تتأكد فى عيون العالم مصداقية كيسنجر كوسيط ويكسب ثقة العرب.

هى سياسة ميكيافيلية بامتياز، ليس فقط من أجل واشنطن أو إسرائيل، بل كيسنجر أولا وأخيرا. ولكن مفهومه للاستقرار وسياسته فى المماطلة فشلا بقيام حرب أكتوبر بتكاليفها المادية والبشرية للجميع وزيادة بناء المستوطنات بمئات الأضعاف لتشكل قيدا على سياسة أى حكومة إسرائيلية فى التعامل مع الفلسطينيين.

الكتاب مملوء بالمعلومات والقصص عن الشخصيات التى تشكل أساسا لما نراه الآن، هو إذن مصدر مهم للدروس والعبر للتخطيط للمستقبل فى العلاقات مع واشنطن يستحق ترجمته للعربية وقراءته على أوسع نطاق.


لمزيد من مقالات د. بهجت قرنى

رابط دائم: