رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الخوف الذى يسلب الأمل

كثيرا ما يقع بعض حكام الدول أسرى لأكاذيب حرصوا لسنوات طويلة على تكريسها فى عقول مواطنيهم أولاً، وفى عقول الشعوب الأخرى المجاورة وغير المجاورة .

أكاذيب تنسج بإحكام خيوط دعايات مضللة عن السلام والتقدم والعدل والرخاء، أو عن القوة والمنعة والقدرة على تحقيق الأهداف العليا للدولة على الآخرين.

هذا «النسيج الدعائى» فى مقدوره أن يشكل «صورة ذهنية» عن الدولة يجرى الترويج لها بشتى أدوات الدعاية.

المفارقة تحدث عندما يصدق من صنعوا هذه الأكاذيب تلك الصورة الذهنية لدولتهم، وهنا تكون الطامة الكبرى عندما تتسع الفجوة بين الواقع بكل حقائقه وبين الوهم بكل أكاذيبه، لدرجة يصدق معها القول إن «المرء ظل يكذب ويكذب حتى يصدق ما يكذبه».

وهذا القول أو المثل يصدق تماماً على من يحكمون كيان الاحتلال الإسرائيلى الذين باتوا أسرى لأكذوبة أن بلدهم، الذى صنعه لهم آخرون، أضحى «قوة عظمى إقليمية» قادرة على القيادة وفرض السيطرة والهيمنة على كل من حولها، وذلك لأنها باتت عصيّة على أى انكسار ودحر أى اعتداء أو تهديد.

أكثر من صنعوا هذا الوهم وصدقوه كان بنيامين نيتانياهو زعيم «حزب الليكود» ورئيس حكومة الكيان على مدى أكثر من عشر سنوات متصلة مضت، ومن بعده خليفته ومنافسه، بل عدوه نفتالى بينيت رئيس الحكومة الحالى.

وإذا كان نفتالى بينيت ظل هو وأركان حكومته، خاصة الثلاثى بينى جانتس وزير الحرب وديفيد برنياع رئيس الموساد، ويائير لابيد وزير الخارجية، يحذرون الولايات المتحدة والشركاء الأوروبيين من التفاوض مع إيران للعودة إلى الاتفاق النووى، وأسرفوا فى إطلاق التهديدات باللجوء إلى القوة العسكرية لتدمير المنشآت النووية والصاروخية الإيرانية، بالقوة الإسرائيلية الذاتية، دون اعتماد على مشاركة الحليف الأمريكى الرافض للقبول باعتماد «الخيار العسكرى» ضد إيران بدلاً من «الخيار الدبلوماسى» الذى يدور حالياً فى فيينا وبعد أن عاش «وهم القدرة الإسرائيلية المتفوقة» فإنه اضطر أمام حقائق الواقع أن يتراجع وأن يقبل بما تريده أمريكا، ويؤكد أن حكومته «لا تخالف الإدارة الأمريكية فى الموقف من الاتفاق النووى.. ولا تعارض التوصل إلى اتفاق جديد مع طهران».

تراجع بينيت جاء بعد أن أدرك أن مفاوضات فيينا باتت أقرب إلى التوصل إلى «اتفاق» يقبل به جميع المتفاوضين خاصة الأمريكيين والإيرانيين، فقد اضطر بينيت إلى الانحناء أمام حقائق الواقع، لكن هذا لا يعنى أنه سوف يستسلم ويتخلى عما يعتقده، فسوف يظل يضغط على الإدارة الأمريكية والحكومات الأوروبية عبر قنوات كثيرة يديرها أنصار الكيان لفرض تحولات فى مواقف هذه الدول وتخريب أى فرصة للاتفاق مع إيران. أما بنيامين نيتانياهو الذى يخوض هذه الأيام ما يمكن تسميته «معركة كسر عظم» مع نفتالى بينيت ويسعى جاهداً إلى إسقاط الحكومة الهشة الحالية ليعود مجدداً إلى حكم إسرائيل فإنه أكثر من عاش الوهم وروج له.

فلسنوات طويلة مضت ظل نيتانياهو يروج لأكذوبة «معادلة أمن جديدة» بين الناخبين الإسرائيليين تقول إنه «بات فى مقدور الإسرائيليين التمتع بالأمن دون تقديم أى تنازلات للفلسطينيين»، وكان هو مهندس صياغة وتمرير «قانون القومية» الإسرائيلى الذى يجعل من فلسطين، كل فلسطين، من النهر إلى البحر «دولة يهودية» لا مكان فيها إلا لسيادة واحدة هى «سيادة الشعب اليهودى» دون غيره ما يعنى تصفية كاملة لحقوق الشعب الفلسطينى ومقدساته.

تناسى نيتانياهو تماماً، أن إسرائيل تستمد قوتها من غيرها، وأنها أعجز عن أن تحمى نفسها إذا تخلى الغرب عنها، وجاءت الصدمة فى أثناء وعقب «معركة سيف القدس» التى خاضتها فصائل المقاومة الفلسطينية فى غزة دفاعاً عن القدس فى مايو الماضى من اعتداءات المستوطنين التى تعمدت تدنيس المدينة المقدسة احتفالاً بما وصفوه بــ «يوم القدس». فى معركة «سيف القدس» تكشفت الحقائق بعد أن وصلت صواريخ المقاومة إلى «تل أبيب» وعسقلان واسدود، وأثبتت أنها قادرة على الوصول إلى أى مكان على أرض فلسطين المحتلة.

الخطر الذى تكشف لم يكن فقط التدمير الذى أحدثته صواريخ المقاومة وإجباره الآلاف من سكان المدن والمستوطنات على البقاء داخل «الملاجئ» لأيام، ولا تعطيل مطار تل أبيب عن العمل وضرب السياحة الإسرائيلية فى العمق، بل هشاشة الجبهة الداخلية وعجزها عن استيعاب الخطر والتهديد، بل وعجز مؤسسات الدولة عن استيعاب هذا الخطر رغم أن الكثير من الدراسات الدقيقة التى أجرتها مراكز بحوث ودراسات كانت تعدد الأخطار التى تواجه الكيان بين ما هو خارجى وبين ما هو داخلى، وتحذيرها من «احتمال تفكك المجتمع الإسرائيلى وتبعثر مكوناته، وفقدانه تماسكه الاجتماعى، وتداعى هويته كدولة يهودية»، على نحو الدراسة التى أصدرها مركز أبحاث «بيجن ـ السادات» فى تل أبيب (سبتمبر 2020)، التى حذرت من مخاطر «تداعى المناعة الداخلية للمجتمع الإسرائيلى». كثيرون سواء داخل إسرائيل، أو خارجها، خاصة فى أوساط عربية مازالت تعيش «أكذوبة الانبهار» بالكيان الإسرائيلى لا يهتمون بمؤشر «تداعى المناعة الداخلية فى المجتمع الإسرائيلى»، أى تراجع التماسك الاجتماعى وانفراط تماسك الهوية واتساع الفجوة بين الأكذوبة والواقع.

هذه الحقيقة حاول الرئيس الإسرائيلى الجديد إسحاق هرتسوج (60 عاماً) الذى تولى منصبه فى يوليو 2021 خلفاً للرئيس السابق رؤوفين ريفلين أن يتلمس بعض جوانبها وأن يكون صادقاً «ولو للحظة» وهو يتحدث أمام «الكنيست» الإسرائيلى فى أول خطاب له كرئيس للدولة. ففى كلمته تلك (8/7/2021) قال هرتسوج «مهمتى المركزية لولايتى ستكون القيام بكل شىء لإعادة بناء الأمل». تحدث الرئيس الإسرائيلى عن الأزمة التى كانت تعيشها إسرائيل على مدى العامين الماضيين وعجزها عن تشكيل حكومة وإدارة انتخابات ناجحة وتداعى القوة السياسية والاجتماعية بين مكونات الكيان الإسرائيلى، ما أدى إلى «تداعى الأمل».عندما يتداعى الأمل فهذا معناه عدم الثقة فى الحاضر والخوف من المستقبل، لذلك فإنه أضحى خوفاً قادراً على أن يسلب صنع الأمل والمستقبل وهذه هى الحقيقة «الصادمة» التى يعيشها الإسرائيليون دون تزييف أو أكاذيب.


لمزيد من مقالات د. محمد السعيد إدريس

رابط دائم: