رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

اسمعوا وعوا

الهيولى كلمة فى اللغة اليونانية القديمة تعني الخشب. وفى الفلسفة تعنى المادة قبل أن تتخذ أى صورة. والغريب أنها فى الفلسفة لفظ مجرد لا يشير إلى شىء موجود لأن كل موجود لابد له من صورة. مثل هذه الألفاظ الغريبة  هى التى جعلت الناس يعتقدون أن لغة الفلسفة مليئة بالألغاز التى لا سبيل إلى فهمها. هذه الحيرة لا تتعلق بالألفاظ الغريبة فقط ولكن أيضاً بالالفاظ الشائعة والمتداولة مثل الحب والخير. الوعى كلمة مألوفة يستخدمها أبسط الناس وكذلك العلماء لكنها تتحول في الفلسفة إلى مشكلة كبرى. الفلسفة تهدف إلى التعريف والتحديد أى تمييز الكلمة عن المفردات الأخرى ذات الصلة. فكلمة الوعى تتداخل مع مفردات الحس والإدراك والعلم والمعرفة والفهم والاستيعاب والتمثل. لكنها ليست مترادفات متكافئة فى الدلالة.

أراد ابن سينا أن يقرب لأذهاننا معنى الوعى فطلب منا أن نتصور إنساناً معلقاً فى الفضاء خارج المجال الأرضى حيث يسود الصمت والظلام؛ كل حواسه الخمس معطلة لا تدرك شيئاً ولكنه رغم ذلك سوف يعى أنه موجود. الوعى هنا تأمل داخلى لا يحتاج سندأ من الخارج. وهذا هو المفهوم الذى تبناه ديكارت حين قال أنا أفكر إذن أنا موجود. نلاحظ أن ديكارت لم يقل أنا أمشى أو أنا أجلس لأن كل هذا قد يكون خداعاً. التفكير هو اليقين الوحيد.

جاء بعد ذلك الفيلسوف الألمانى هوسرل معترضا قائلا لا يوجد وعى إلا بشىء ما. فالوعى علاقة مع العالم وليس علاقة بين النفس ونفسها. هذا التصور يتوافق مع رأي جون لوك في أن العقل يولد صفحة بيضاء والتجربة الحسية هى التى تخط فى هذه الصفحة لتملأها.ويتوافق مع تنبيه الحوذى الذى ينطلق بالعربة التى يجرها الحصان صائحاً فى المارة: إوع  إوع، أى كن واعياً وانتبه للطريق. فالوعى هنا خلافا لرأي ديكارت معناه أن تنتزع نفسك من تأملاتك الخاصة لتنتبه إلى ما يحدث حولك، أى ببساطة الوعى هو الإدراك الحسى. ولكن لو تذكرنا بيت شوقى: لقدأعرتك أذناً غير واعية/ ورُبّ مستمع والقلب فى صمم، نعرف أن الإدراك الحسى وحده ليس كافياً إذا لم يترك خلفه آثاراً باقية فى العقل. ولهذا كان منادى الفرمانات السلطانية يجول فى الشوارع ليعلنها بادئاً بعبارة : اسمعوا وعوا أى اعرفوا وتصرفوا طبقاً لما ورد في الأوامر. 

بالفعل الإدراك الحسى وحده لا يكفى لتشكيل الوعى. فطبقاً «لجون لوك» يحتاج الأمر إلى عناصر أخرى. فأنا الآن أقرأ مقالاً وبالأمس زرت صديقا وفى اليوم السابق ذهبت إلى حفل. هى أحداث متفرقة لكننى أربطها جميعاً بذاتى وهذا هو دور الذاكرة. إذ يرى لوك أن الذاكرة هى التى تصنع الوعى، والوعى بدوره هو الذى يحقق الهوية أي يجعلنى قادراً على أن أقول أنا.

المعرفة الخاطئة يسهل التخلص منها واستبدالها. فإذا كنت أعتقد أن لندن هى عاصمة فرنسا سيكون من السهل إزاحة الخطأ عندما أعرف الحقيقة. ولكن الأمور لا تحدث بهذه البساطة مع الوعى. نعود مرة ثانية إلى شاعرنا شوقى الذى يقول: وخططنا فى نقا الرمل / فلم تحفظ الريحُ ولا الرمل وعى. الوعى ينطوى إذن على معنى الحفظ والوعاء. يمكن لنا أن نتصوره مخزناً كبيراً تتجمع فيه بشكل آلي معارفنا وخبراتنا الحياتية وأحكامنا. ولكن صورة المخزن  تتسم بالسلبية، وهذا ما يتنافى مع ما نراه من الحرص على ضرورة الوعى وأهمية التوعية. فالإنسان الواعى فى نظرنا أقرب إلى إدراك الحقيقة واتخاذ القرار الصائب والقيام بالسلوك الملائم وهو ما يعنى أن الوعى قوة فعالة ومؤثرة فى حياتنا. ولكن لا يوجد ما يجعلنا نطمئن إلى أن وعينا صحيح، بل إن حظنا فى اكتساب الوعى الخاطىء أكبر بكثير من اكتساب الوعى الصحيح.

التصوران السابقان: الوعى الداخلى أى التأمل داخل النفس، والوعى الخارجى أى إدراك العالم المحيط يتقاسمان تاريخ الفلسفة ولكنهما يتفقان على اعتبار الوعى ظاهرة فردية، فأنا أدرك الوعى الخاص بى ولكن لا سبيل إلى إدراك وعى الشخص الآخر. ذلك لم يمنع عدداً من الفلاسفة من أن يطرحوا تصوراً لوعى آخر يخص الجماعة مثل الوعى الجمعى والوعى الطبقى والوعى التاريخى وهى مفاهيم تنقلنا إلى مستوى آخر فى تناول مشكلة الوعى.


لمزيد من مقالات د. أنور مغيث

رابط دائم: