رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فاروق هاشم

وراء كل سطر على ورق الجرائد دراما إنسانية بطلها جنود لا يراهم القراء، لكن بعضهم حين يغيب تجد الطبيعة غير متوازنة أمام عينيك، فتسأل ما سأله سيدنا سليمان: مالى لا أرى الهدهد؟.. ومن هؤلاء البشر الأستاذ فاروق هاشم.

حين دخلت الأهرام عام 1979, اصطحبنى الأستاذ ماهر الدهبى رئيس قسم تصميم الصفحات إلى حيث يجلس شاب أنيق فى يده بايب ببدلة بيضاء وجرافتة ملونة، وقال له: هذا الفتى مسئوليتك يا روقة، وكان التدريب رسما «كروكى أو ماكيت» على ورقة بحجم الجرنال للتدرب على توزيع المواد حسب أهميتها على الصفحة، بحيث تحقق الجمال والموضوعية، اصطحبنا فاروق ـ وكان معى زميلى التاريخى عبد الفتاح صلاح ـ فى جولة على المطابع والزنكوغراف، وقسم التوضيب الخاص بتحويل الماكيتات إلى صفحات من الرصاص، وعند عرض كروكى الصفحة عليه يخرج علبة أقلام فلماستر ويبدأ محاضرة فى أصول تصميم الصفحات بحماس حتى تتحول الورقة البيضاء التى رسمتها بقلم رصاص إلى بحر من المربعات والأسهم والزوايا وعناوين بمختلف الألوان!

لأول وهلة تكتشف أنه خلق للمحاضرات بحب، كان مسئولا عن الطبعة الأولى يوم الثلاثاء فكان هذا يوم البدلة البيضاء، كأنه ذاهب إلى حفل زفاف فى صالة التحرير، لكن هذه البدلة البيضاء تنقلب فى لحظة إلى بدلة رمادية أو متربة، وشاهدتها بالفعل أمامى مرتين؛ مرة حين شب حريق فى المطابع ووجدته بالبدلة فى مقدمة عمال الإطفاء يشد الخرطوم ويتسلم جرادل المياه، والثانية, حين ضاعت موضوعات صفحة الشئون الخارجية بعد اعتمادها، وكان الاحتمال الذى لا يتعدى واحدا فى المليون هو ما افترضه فاروق هاشم، وبدأ فى تنفيذه على الفور، قفز فى بير أسانسير خاص بإرسال المواد الورقية بين الأدوار، لايزيد عرضه على متر واحد ولا يفصل علبته عن الحائط أكثر من نصف سنتيمتر، وبعد أن ينتهى الأسانسير عند الدور الثانى يتحول إلى بئر لمخلفات المطابع، اختفى فاروق داخل المسقط، وخرج علينا بعد ساعة من بين المخلفات ومعه أوراق الصفحة وهو يقول الحمد لله، وحين أضاف إلى عمله فى الأهرام مهمة التدريس فى الجامعة كان مستعدا لهذه الرسالة بإخلاص نادر، يعطى المحاضرة النظرية ثم يدعو الطلاب لزيارة الأهرام فى اليوم التالى ليشاهدوا على الطبيعة، وكانت إقامة الطلاب تشمل شراء الخامات ووجبات غداء ومشروبات وحفلات عيد الميلاد بهدايا رمزية من جيبه حتى حل مشاكلهم الأسرية، فكان من الطبيعى أن ينتشر صيت هذا المعطاء على منصات التكريم من إعلام القاهرة إلى أقسام الصحافة بسوهاج والمنيا وبنها!

وبنفس الروح حرر بابا فى صفحة السبت الأسبوعية بالأهرام المسائى باسم الطفل الكبير يحررها الأستاذ سمير صبحى، وكان معه الفنان ناجى كامل والفنان مكرم حنين والأديب ملاك لوقا، وحول فاروق مقاله من تعليق بسيط إلى لوحة قلمية بديعة بعنوان فى رحاب التنزيل، كان يعتبر كتابة مقال من 250 كلمة جهادا فى سبيل الله، طوال الأسبوع يفكر فى مكان نزلت فيه آية قرآنية، وحين نذهب إلى بيوتنا بعد انتهاء طبعة الخميس نتركه غارقا بين الكتب والخرائط والتفاسير، وأصحاب الحاجات، وحين نعود فى الصباح نجده نائما بمكتبه فنوقظه لصلاة الجمعة، ويواصل السهر لإعداد محاضرة السبت فى الجامعة.

لم يكن فاروق هاشم غنيا ولا موسرا لكنه كان شديد الكرم والاستغناء، يستعين على حوائجه بالصيام طول السنة، وحين نجح فى الثانوية العامة، كتب رغبته الأولى كلية الآداب قسم صحافة، فجاءته كلية الطب، فترك الطب وقريته وعمل بالمعمار، وكانت فرصة أنه قرأ أكبر عدد من القصص والكتب والسير وكل أعمال طه حسين، والعقاد وبنت الشاطئ، وبعد سنتين اكتشف أن مجموعه فى الثانوية يناسب كلية الإعلام الجديدة فدخل الصحافة من بابها الأنيق، وبعد رحلة عطاء امتدت خمسين سنة اشترى سيارة مرسيدس بمكافأة المعاش، فسرقت بعد عدة شهور فى أثناء فوضى ما بعد ثورة 25 يناير، وحين رجوته: ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، صدمنى رده: هذا الفهم دعوة لليأس، لو اعتبرت أن ما تعطيه يرتبط بما قسم الله لك من فلوس ستجد نفسك فى كل موقف بذل تشعر بانك فى ذل لما تملك من مال، فما قسمه لك من ارادة اكثر مما فى جيبك، فالقناعة الحقة عطاء لا حدود له وغير إجبارى تتدرج من إماطة الأذى عن الطريق حتى تبسمك رغم الضيق!

فعلا يا جنرال: نحن لسنا أثرياء بما نملك لكننا أثرى الأثرياء بما نفعله دون أن نملك، وعبقرية هذه الحكمة تفسر لماذا يسيطر بعض الناس على القلوب وتشعر بعد رحيلهم بعدم توازن الحياة ولماذا يعجز أغنى أغنياء العالم عن سكن أى قلب بمجرد زوال الثروة والسلطة وهم أحياء!


لمزيد من مقالات أنور عبداللطيف

رابط دائم: