رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

المصالحة التاريخية.. ما بعد العلمانية!

نختتم اليوم حديثا طال لثلاثة أشهر تقريبا، تناولنا فيه مسيرة العلمانية الطويلة فى سياقها الغربى المنجز، والعربى الذى لا يزال إشكاليا، أنماط حضورها المختلفة هناك وعوائق حضورها هنا، ونود فى تلك التتمة أن نلخص مغزى ما أفضنا فيه، وهو أن الدين، بتنويعاته وخطاباته وادعاءات رجاله، قد تمكن لزمن طويل من شغل الناس وتنظيم حياتهم وصوغ المعنى النهائى لوجودهم، قبل أن تنبت فى التاريخ صيرورة علمنة تنازعه على احتلال الدور نفسه. وبينما استمر الحيز الدينى مهيمنا على الحيز العلمانى حتى حركة الإصلاح الديني، بدأ العلمانى مسيرة صعوده بميلاد الدولة القومية من رحم معاهدة «وستفاليا» منتصف القرن السابع عشر. وبعد أن كان الدين يمتد إلى كل شيء، أخذت الوظائف السياسية والاقتصادية والعلمية تخرج من إطاره، وتأخذ طابعا دنيويا يترافق مع واقع التخصص العلمى وتقسيم العمل الإنسانى، وتمايز أنماط الإنتاج وارتقاء أشكال الحياة فى أنحاء الأرض الأربعة. وبعد أن كان الله موجودا فى الكون كله، يملأ الآفاق الممتدة بلا نهاية فى فضاء الصحارى وعلى قمم الجبل، ويتغلغل فى قلب النظم الاجتماعية والعلاقات الإنسانية، أخذ ينسحب تدريجيا من عوالم البشر المحدثين، حتى لم يعد مرئيا فى عالم «الترانزيستور» بالغ الصغر وشبكة الإنترنت شديدة التدفق.

وعلى هذا تعمقت مسيرة العلمانية بفعل قدرتها على خلق آفاق جديدة للحياة وجذابة للعمل، ولأنها قريبة من حياة الناس اليومية، فهى تملك وحيها العملى الخاص الذى يمكنها من خلق حلول جديدة لجل مشكلاتهم المستجدة ولبعض مشكلاتهم القديمة. ومن ثم اندفعت إلى الأمام مثل قطار يسير بسرعة على قضبان الواقع، وتلك هى مسيرة التقدم المرهقة لرجال الدين، الذين اعتادوا الحديث باسمه، فإذا بهم يفقدون جمهورهم، ولا يجدون من يسألهم فى المشكلات القديمة، أو يجادلهم حول ما جاء فى الكتب الصفراء التى يحفظونها، فشعروا بالمرارة إزاء تلك العلمانية الشيطانية التى انتزعت العالم من قبضتهم، وفرضت عليهم أن يلاحقوها أو يخرجوا من سباق الحياة.

إلى هذا الحد تبدو العلمانية ناجحة وذكية، تركض للأمام، تقترح المسارات وتحل المشكلات، تستقطب الجمهور وتلهم الواقع، مما يزيد من مساحة الأرض التى تكسبها يوميا. لكنها، فى المقابل، تدخل فى دائرة تناقضات لا لزوم لها عندما تفقد حذقها وتقع أسيرة غرورها، فلا تكتفى بالاستحواذ على واقع الحياة بكل تفاصيله بل تدعى قدرتها على تفسير الوجود وإسباغ المعنى النهائى عليه. عندما تتوقف عن الركض للأمام، وتلتفت إلى الخلف لتنظر فى عين الدين وتقول له فيما يشبه المعايرة: لقد انتصرت عليك، سبقتك وحسمت الصراع معك فبهذا السلوك المستفز تتورط فى مواجهة مفهوم «الألوهية» الأكثر حضورا فى التاريخ البشري، وسموقا فى الروح الإنسانية، لتخرج منها مهزومة كما فى بعض المجتمعات الأكثر تقليدية وقابلية لاحتضان النزعات الأصولية، أو على الأقل مرهقة، تعانى كدمات وجروحا من نزعات اغتراب وقلق وخواء تلازم كل فضاء يخلو من الشعور بالقداسة. نعم تورطت المجتمعات التقليدية فى ممارسات كهنوتية تخلط بين الدين كحضور قدسى فى العالم، وبين الفكر الدينى الجامد، وخطابات الهيمنة الطبقية والجندرية والعنصرية التى ينطوى عليها، لكن العلمانية ما انتصرت إلا على ذلك الفكر الجامد، وليس على مفهوم «الألوهية» نفسه.

نعم كان مطلوبا، مع تقدم الحداثة، أن ينزاح الدين من المجال العام إلى ضمير الفرد، متنازلا عن ادعاءاته بالقدرة على تنظيم المجتمعات، والوصاية على العلوم والمكتشفات، ليقتصر دوره على الإلهام الروحى والضبط الأخلاقى. ولكن لم يكن حتميا أن يخرج من أفق الوجود لتنفرد العلمانية بعالم دون دين لين العريكة، يُسهِّل إعادة تشكيله. فإذا كان من الطبيعى أن تتوارى صورة الدين فى عالم الترانزيستور والإنترنت، فمن المؤكد أن الحياة فى نفق تلك الدقائق والشبكات وحدها تحرم الإنسان من تحقيق تكامله الذاتى عبر مطلقات تتوافق والاحتياجات النهائية لكائن مركب ينشد التوازن الوجودي، فلا يفقد هويته المتمدنة ككائن عاقل يرغب فى بلوغ التقدم، ولا شعوره بالقداسة ككائن روحى يحتاج إلى السلم النفسى والانسجام الكونى.

على هذا، يفرض علينا التفكير فى مستقبل الإنسانية تأكيد أهمية الدين والعلمانية معا، شرط أن يدرك كلاهما قدره النهائى ويعيش داخل حدوده، ومن ثم تكمن أهمية الإسهامات التى يقدمها الفيلسوف الألمانى يورجن هابرماس، خصوصا بحثه “الدين فى المجال العام”؛ فالتسامح لديه أساس الثقافة الديمقراطية، ولكنه يتشكل من مسار ذى اتجاهين دائما، فلا ينبغى أن يتسامح المؤمنون فقط إزاء اعتقادات الآخرين وقناعاتهم، بل من واجب العلمانيين والملحدين أن يُثِّمنوا قناعات المتدينين، حتى لا تصبح العلمنة سلطة عليا تحدد لنا ما ينبغي، وما لا ينبغى التفكير فيه؛ فتتحول إلى أيديولوجيا شمولية مغلقة تشبه سلطة الفقهاء المسلمين المتشددين، أو سلطة الأكليروس المسيحى فى العصور الوسطي.

إنه المجتمع ما بعد العلمانى القادر على تحقيق المصالحة التاريخية مع الدين، إذ يكرس للمستوى المعتدل منها ويتجاوز الراديكالى فيها. كما يتقبل الإيمان الروحى بل التدين الفردى مادام تخلى صاحبه عن لعب أى أدوار دنيوية/ سياسية باسمه، فحال ما بعد العلمانية تدعو إلى تفاعل الجميع على أرضها، سواء كانوا مؤمنين أو غير مؤمنين، الأمر الذى يتيح الشراكة بينهم فى فضاء تعددى يقبل الدين مشاركًا فى صنع التشريع ولكن بطريقة علمانية، حيث يمكن للمتدين أن يعيش فى إطار العلمانية، بينما العلمانى لا يستطيع العيش تحت مظلة الديني، مما يجعل قبول الدستور العلمانى منفعة للمواطن المتدين، إذا ما أراد العيش فى إطار أوسع من هويته الضيقة، ينعم فيه بالدولة القانونية والهوية الكونية.. انتهي.

[email protected]
لمزيد من مقالات صلاح سالم

رابط دائم: