رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

المفاجأة المصرية منذ 44 عاما.. مقارنة بالمستجدات

فى نوفمبر 1977 ألقى السادات خطابه المعتاد فى مجلس الشعب واختتمه بجملة هزت العالم: «لتحقيق السلام فى الشرق الأوسط، فأنا مستعد للذهاب إلى آخر الدنيا، بما فيها إسرائيل».

كان الرئيس الفلسطينى ياسر عرفات بين الحاضرين، ويقال إنه صفق، ليس تأييدا للاقتراح، ولكن اعتقادا أنها حملة علاقات عامة دولية من جانب السادات، ويقال إن بعض الرسميين الإسرائيليين الذين يرصدون خطب الزعماء العرب، أنهوا تقريرهم قبل أن يختم السادات خطابه وهذه الجملة المفاجئة. متوقعين أنه خطاب روتينى كالعادة. بل قال لى السفير الأمريكى فى مصر حينئذ ـ هيرمان أيلتس ـ الذى كان وثيق الصلة بالسادات، إنه اتصل به واقترح توضيح الأمر إذا كانت الجملة زلة لسان وتدارك أى عواقب. ولكن السادات أكد له أنه جاد تمام الجدية.

فى هذه الفترة كان الرئيس الأمريكى كارتر يبذل مساعى كبيرة لتحقيق تقدم ـ أى تقدم ـ فى الصراع العربى الاسرائيلي، ولكن وصول اليمين الإسرائيلى للحكم بزعامة الليكود ومناحم بيجن أضاف إلى التعقيدات والتدهور. غيّرت مفاجأة السادات من الوضع كلية، حتى أن كتب العلاقات الدولية تذكر خطوة السادات كأحد الأمثلة الكبرى حول «تأثير المفاجأة» فى العلاقات الدولية وليس فقط الإقليمية، وهو ما سماه رئيس إسرائيل السابق ـ شيمون بيريز ـ بداية الطريق للشرق الأوسط الجديد. وفعلا قرر كارتر البناء على مفاجأة السادات وعقد مؤتمر كامب ديفيد فى سبتمبر 1978 لمدة 13 يوما خلف جدران المنتجع المغلق، تماما كقصة بوليسية نتلصص على أخبارها ولا نستطيع التكهن بنهايتها، مثل حزم حقائب أعضاء الوفد المصرى استعدادا للرحيل وإعلان الفشل، ولكن حتى بعد توقيع اتفاق كامب ديفيد، استمرت المماطلات الاسرائيلية لمدة سبعة أشهر إضافية مما اضطر كارتر إلى الحضور إلى المنطقة والقيام برحلات مكوكية بين مصر وإسرائيل لتوقيع معاهدة السلام فى مارس 1979.

ازداد غضب الدول العربية وازدادت مقاطعة مصر وتعليق عضويتها فى الجامعة العربية بل نقل مقر الجامعة إلى تونس.كذلك قاطع المجتمع المدنى المصرى الاتصالات مع إسرائيل، بل إن العديد من الدبلوماسيين المصريين ـ رغم التزاماتهم الرسمية ـ كانوا يتهربون من التعامل مع إسرائيل، حتى أن الحكومة الاسرائيلية اشتكت مرارا من العزلة المفروضة على أعضاء السفارة الاسرائيلية فى القاهرة حتى إن بطرس غالى وزير الدولة للشئون الخارجية ـ وصف العلاقات المصرية ـ الاسرائيلية بالسلام البارد.

تطورت العلاقات المصرية ـ الإسرائيلية وتسارع التعاون خاصة بعد اشتداد الهجمات الإرهابية فى سيناء، أى بعد أكثر من أربعين عاما من توقيع معاهدة السلام. وهى بذلك تختلف فى بداياتها وحتى فى استمراريتها عما يسمى الاتفاقيات الإبراهيمية بين إسرائيل من جانب وكل من البحرين، والإمارات والمغرب فى 2020، فى الحقيقة كانت هذه الاتفاقيات تتويجا لعلاقات سرية وإستراتيجية لأعوام بين اسرائيل وهذه الدول، والاختلاف الثانى عن المعاهدة المصرية ـ الإسرائيلية أن هذه الدول العربية ـ بعكس مصر ـ لم يكن لها أراض تحتلها إسرائيل وتبغى الحصول عليها، فهى ليست دولا مجاورة لإسرائيل، وحتى لم تكن هناك حالة حرب فعلية مع إسرائيل، ولذلك من الناحية القانونية تكون الاتفاقيات الابراهيمية اتفاقيات تطبيع أكثر منها اتفاقيات سلام. وهى فى الحقيقة مدهشة بسبب سرعة التطبيع هذا، بل أصبح هذا التطبيع تعاونا متعدد الوجوه من الاقتصاد إلى السياحة والثقافة على مستوى تفاعلات الشعوب، بالإضافة إلى ما نراه (وكذلك ما لانراه) من التعاون الاستراتيجي. آخر أمثلة هذا التعاون هو زيارة وزير الدفاع الإسرائيلى للمغرب الاسبوع الماضى وإبرام اتفاقيات عسكرية وتعاون معلوماتى ومخابراتي. وبالرغم من أن العلاقات المغربية ـ الاسرائيلية ـ لها تاريخ طويل وخاص بها، إلا أن مجال الاتفاقيات الأخيرة خاصة الإعلان عنها يشكل ـ كما قال وزير الدفاع الاسرائيلى قفزة كبيرة، وتدعم ما حدث فى العام الماضى عندما أنفقت المغرب 48 مليون دولار على الاستيراد من إسرائيل ثلاث طائرات مسيرة ذاتيا Drons.

موضوعيا يمكن القول إن مصر السادات بادرت بطريق السلام مع إسرائيل منذ 44 عاما، إلا أننا حاليا فى مرحلة جد مختلفة. مثلا المعاهدة الأردنية ـ الاسرائيلية منذ 25عاما جاءت فقط بعد اتفاقية الاعتراف المتبادل بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل في1993، حاليا نحن فعلا أمام شرق أوسط جديد، حيث تصبح إسرائيل رسميا جزءا لا يتجزأ من تفاعلاته التعاونية والعسكرية، بينما مثلا يشتد الصراع بين المغرب والجزائر. ماذا يعنى فى هذا الوضع الجديد إحدى ركائز التوجه العربى وإنشاء الجامعة العربية ـ مفهوم «الأمن القومى العربي»؟ دعوة للتفكير والنقاش.


لمزيد من مقالات د. بهجت قرنى

رابط دائم: