رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

المقاهى والحياة الثقافية والسياسية

يمثل كتاب مقهى ريش عين على مصر للكاتبة والروائية ميسون صقر، واحدا من الكتابات القليلة عن دور المقاهى فى الحياة السياسية والثقافية المصرية حول هذا المقهى التاريخى، وأهم ما يميز هذا الكتاب التضافر بين قوة التوثيق التاريخى، والوثائق فى بيان تاريخ المقهى، وقوة السرد الموثق، والمؤنق لأسلوب الكاتبة، فى مقاربة لتاريخه، ومعه وسط المدينة، وسياقاته المعمارية والتاريخية. الكتابة عن المقاهى تمثل جزءا من التراث المعمارى والثقافى للمدن الحديثة، لأنها كانت جزءا من انفتاح المجال العام فى المجتمعات الحديثة والمعاصرة، لاسيما العواصم باريس، ولندن، وفيينا، وروما، وبرلين..الخ. من ثم هى جزء من الكتابة التاريخية، ومقارباتها، وللتراث المعمارى والمادى .

المقهى على النمط الفرنسى – وريش ضمنه، ومعها المشارب والمطاعم والحانات، والمكتبات ودور النشر، والمتاحف- تمثل حراس المدن، وعلامات على تطورها السياسى والاجتماعى فى عصور الحداثة وما بعدها. كانت المقاهى جزءا من المجال العام، من حيث إنها فضاءات للحوار والجدل، وتبادل المعلومات، والنقاش حولها، وأيضا للصداقة، والعشق وتبادل خطاب الحب بين بعض روادها. تاريخ الأمكنة مثل مقهى ريش، يشكل جزءا من هوية المكان وشخصيته المعمارية على نحو ما أشارت ميسون صقر فى كتابها القيم حول ريش عين على مصر، وهو ما يشكل أول عمل تاريخى متكامل حول أحد المقاهى التاريخية، ومقاربة تاريخ المدينة ووسطها على وجه الخصوص. من حيث مقاربة المكان كإحدى علامات التحديث العمرانى وطرزه ،والأهم من حيث كون وسط المدينة أحد حوامل التحديث، أو شبه الحداثة فى القيم والأفكار، وأنماط السلوك الاجتماعى الحديثة على المستوى الاجتماعى، ودراسة تكوين المقهى، ووظائفه فيما يتعدى الدور الترويحى كمكان للمأكل والمشرب الغربى والمصرى، ونظام الزى والموضة للرجال والنساء. أجادت الكاتبة فى مقاربتها للمقهى كجزء من التراث المعمارى، والمادى لمدينة القاهرة والمقهى بوصفه عينا على مصر. مقهى ريش منذ تأسيسه يمثل مقهى على النسق الباريسى، ومن ثم لعب بعض أدوار المقاهى الفرنسية الشهيرة، لكن فى سياق كولونيالى وشبه ليبرالى، ثم فى إطار نظام يوليو 1952 وتحولاته الاجتماعية والسياسية. الأدوار التى لعبها المقهى –ريش- تتشابه مع مقاهى الفلور، والدوماجو، والسلكت، والروتوند، وكلينى وتكوين الجماعة السريالية، والوجوديين.

استطاعت ميسون صقر أن تضع المقهى وتراثه فى إطار عمليات التحديث المعمارى للقاهرة، وتحديدا حول وسط المدينة، وأهم معالمها وطرزها المعمارية، وكبار مهندسى المدينة من الأجانب والمتمصرين، والمصريين. هذا مدخل جيد لسردية المكان/ المقهى، واستطاعت من خلال الوثائق والشهادات والأفلام الوثائقية، أن تعطى للوثيقة سلطة وقوة فى إعادة بناء سردية المكان، وملاكه الأجانب وصولا لعائلة المصرى عبد الملاك ميخائيل وأبنائه وأحفاده . مقهى ريش كان جزءا من فضاءات التحديث فى قلب المدينة أيضا فضاءات التطلع إلى الحداثة من قبل النخبة الثقافية والسياسية المصرية حيث كان المقهى أحد مكونات المجال العام السياسى، على مدى تاريخه الطويل، من خلال وظيفة النقاش والجدل السياسى الوطنى، بين رواده الحزبيين وغيرهم فى المرحلة شبه الليبرالية، أو بعض مواقف المثقفين من رواده، فى المرحلة الناصرية ، والساداتية، وعهد مبارك، وفى 25 يناير 2011 وما بعدها، وفى حركة تمرد. هذه الوظيفة السياسية مهمة فى مجتمع المجال العام محملُ بالقيود السياسية والقانونية، والأمنية، والإدارية.

هذه الوظيفة السياسية على أهميتها فى المثال المصرى، كانت مهمة فى المراحل السابقة على ثورة الرقمنة، لأنها كانت مجالا لتبادل المعلومات، والآراء، وتبلور المواقف حول بعض القضايا العامة.

الوظيفة الثقافية لمقهى ريش، تبدو بالغة الأهمية، وخاصة فى ظل حضور رواده من الأدباء، والفنانين، ومن المغنيين والمغنيات، والممثلين وممثلات السينما ، والمسرح، والدراما التلفازية، والموسيقيين والفنانين التشكيليين، ورسامى الكاريكاتير ذائعى الصيت، وكذلك كبار الروائيين، وعلى رأسهم الأستاذ/ نجيب محفوظ وحواريون من جيلى الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، فيما بعد.

أهمية هذه الوظيفة تمثلت فى تبادل الخبرات والقراءات، ونقدهم لأعمال بعضهم بعضا، والأهم أن المقهى كان فضاء للخروج من معطف الأجيال السابقة، والقطيعة معهم، لا شك أن ريش شهد حوارات، ومشاجرات قبل ترميمه وضم التراس إليها. استطاعت الكاتبة أن تكشف عن هذه الأدوار الوظيفية للمقهى، وعراقته منذ العنوان ريش عين على مصر، وعتبات سرديتها التاريخية عنه، من خلال تصميم الغلاف الذى صممته ، والصورة القديمة لرواد المقهى، وبعض التوقيعات الأجنبية، واستخدام اللون الأصفر الغامق نسبيا، للإيحاء للقارئ بأنه إزاء سردية تاريخية للمقهى مفتوحة على فضاءات المدينة، والأهم أنها جزء من ثقافة المدينة الحاملة للتحديث التاريخى وشبه الحداثى، فى الأفكار ذات المرجعيات الأوروبية فى البناء وطرزه المعمارية، وفى جدالات وحوارات وإبداعات مريدى المقهى وزبائنه.


لمزيد من مقالات نبيل عبدالفتاح

رابط دائم: