رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

موالد المحبة والتراحم

أشطح بعيدًا عن الأحداث الجارية، التى تمسك بخناق أى كاتب مهتم بحاضر وطنه ومستقبله، فلا يستطيع منها فكاكًا، ناهيك عن أن ثمة قضايا جارية، يعد عدم الكتابة فيها هروبًا وإيثارًا للسلامة، ورغم أنه شطح إلا أن فيه شيئًا من يموت الزمار وأصابعه تلعب، إذ ما إن يهل ربيع الأول، الشهر الثالث من السنة الهجرية، وتملأ ذكرى مولد النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- المكان والزمان بكل ما هو وجدانى عميق, إلا ويستيقظ حنينى إلى سلسلة الموالد الممتدة المتصلة فى الشهور من بعد ربيع الأول، وهو حنين مرتبط بفترة كنت فيها شبه مقيم فى رحاب أصحاب الموالد، وعلى رأسهم آل البيت، رضوان الله عليهم، ولمن يهمه الأمر فإن هناك من يحسبون من آل البيت، لأن نسبهم يمتد إلى الإمام علي- كرّم الله وجهه- والسيدة فاطمة الزهراء- عليها السلام- ويذهب المعنيون بهذا الجانب فى حياة أهل مصر أن ساكنى المحروسة- من منتسبى بيت النبوة- واحد وثلاثون رجلًا وسيدة، على رأسهم سيدنا الحسين، والسيدة زينب، والسيدة نفيسة، ثم قائمة تضم السيدة نفيسة، والسيد على زين العابدين، والسيد محمد الأنور، والسيد حسن الأنور، والسيد زيد الأبلج، والسيدة فاطمة النبوية، والسيدة سكينة، والسيدة رقية، والسيدة عائشة، والسيد إبراهيم الدسوقى، والسيد موسى أبى العمران، والسيد عبدالعزيز أبى المجد، والسيد أحمد البدوى، والسيد أبو الحسن الشاذلى، والسيد أبو الإخلاص الزرقانى، والسيد على البيومى، والسيد محمد الخلوتى، والسيد عبد الرحيم القنائى، والسيد أبى الحجاج الأقصرى، والسيد أحمد رضوان، والسيد محمد الفولى، والسيد على الخواص، وآل الراضى، وآل أبى خليل، والسادة الوفائية، وفى الخاتمة السلطان أبو العلا الحسيني! وكانت الموالد- التى عشتها طفلًا- تتوزع بين مولد أولياء قريتنا، وفى المقدمة الشيخ إبراهيم بصيلة الكبير، الذى كانت تنصب السرادقات والخيام فى ذكراه، ومنها سرادق كبير فيه كراسى مذهبة، ويأتى مأمور المركز والضباط لحضور الليلة الكبيرة، ومولد سيدى إبراهيم الدسوقى، وهو أحد الأربعة أقطاب الغوث، وضريحه فى دسوق، وما زلت، رغم عمق المسافة الزمنية- نحو سبعين سنة- أرى الشريط الذى يبدأ بالبكاء للذهاب مع الذاهبين والأم والأب يمانعان، فتمتد يد جدى الحاج محمد لإنقاذى، ويأمر بالصحبة، ومن شدة الفرح أنسى لبس الصندل وأمضى معهم متشبثًا بالسلبة التى تشد الكرار على ظهر الجمل، ومن ورائه جمال إبل أخرى تحمل أجزاء الخيمة وبقية المعدات، وأقف بالقرب من مكان إقامة الخيمة نصبها، فإذا بالسقف مفرودا على الأرض، وفيه فتحات عديدة تنفذ منها مقدمات الأعمدة الخشبية التى يحملونها ويدسونها من تحت القماش المفرود خِلف خلاف، ويدفعون الأعمدة مرددين يا الله، حتى يعلو السقف، ثم تركب الجوانب، وفى الخلف حاجز سميك «نزلك» يحجب مكان النساء ومواقد وأدوات الطبيخ! وكان المحظور الأول والأكبر هو الابتعاد عن الخيمة، لأن من يتوه فى مولد بذلك الحجم يحتمل ألا يعود، ويحتمل أن يختطفه الغجر أو اللصوص.. ثم تكون العودة من المولد من دسوق بالحلوى الشهيرة «الحلاوة الشعر» تلك البيضاء المنفوشة الهايشة شديدة الحلاوة، وبالفسيخ والسردين وأم الخلول، ولبشات قصب السكر «خد الجميل»، الذى يشتهر شمال الدلتا بزراعته! ومن عام إلى عام وحتى أدركت معنى أن أكون درويشًا صوفيًا واعيًا، لم أنقطع عن الذهاب وخدمة الزائرين بحمل ورص أحذيتهم ومداساتهم، وتنظيف المراحيض والميضأة! وتقديم وجبات الطعام من الخبز الطرى والجبن القديم والقريش والدقة والفول النابت وأعواد الفجل والكرات، وعندما تأتى الليلة الكبيرة تكون النذور قد ذبحت وسلخت وقطعت ومكثت فى القازانات على النار حتى تنضج وتقطع «هبرًا» وتقدم فوق أناجر «جمع أنجر» الفتة، ومعها طرشى بلدى معتبر. كانت مهرجانات- إذا جاز التعبير- شعبية، شعارها ودستورها المحبة والتواضع والجود، ومسلكها ذكر الله والصلاة على رسوله فى حضرات نورانية شديدة الصفاء، فيها من يبكى فى صمت وهو يتمايل، وفيها من يبكى بحرقة وينهنه، وفيها من يناجى ربه بلغة لا يفهمها إلا أهلها، وفيها من يتحول من التمايل والانحناء إلى القفز لأعلى وهو فى مكانه حتى يكاد رأسه يلمس سقف الجامع! ثم كم من مرات اشتعل فيها السجال مع من أتى زاعمًا أنه يحمل النصيحة المخلصة بأن هذا كله ابتداع وضلال وشرك، ويأتى الرد بالود والمحبة وإطعام الطعام «طيب اتفضل كُل لقمة معنا»، فإذا أصر على ما أتى به انفتحت المناقشة حية مدعمة بالدليل من القرآن والسنة المطهرة.. فيبهت الذى جاء متهمًا من يحبون بعضهم ويحبون خلق الله جميعًا، ويرون أن النقص فى أنفسهم والاكتمال عند غيرهم. وكان كثير من المتسلفين «السلفيين» يمارسون هذه المهمة، ويعودون خاليى الوفاض، خاصة إذا كان المريد المحب قد قرأ كتاب «فيض الوهاب فى بيان أهل الحق ومن ضل عن الصواب»، وهو من تأليف العالم الجليل المغفور له الشيخ «عبد ربه سليمان»، وفيه ساق المؤلف الصوفى المتمسك بالشريعة أطروحات أولئك السلفيين ورد عليها باستفاضة مستندًا إلى كتاب الله وسنة رسوله- صلى الله عليه وآله وسلم- وإلى فقه الأئمة الأربعة ومن قبلهم الصحابة.

أتمنى أن تنتهى هذه الجائحة، ليعود للناس ما أبدعوه حضاريًا وثقافيًا، ليبقى وعاء لمحبتهم وتكافلهم وتراحمهم وأيضًا تعبهم وذكرهم لخالقهم.


لمزيد من مقالات أحمد الجمال

رابط دائم: