رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

روسيا وأمريكا فى السودان

تحمل القرارات التى اتخذها الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان قائد الجيش السودانى، الاثنين الماضى وفسرها فى اليوم التالى، الكثير من الدلالات السياسية الخارجية التى تؤكد أن هناك فريقين منقسمين حيالها، الأول تقوده الولايات المتحدة ومعها غالبية الدول الغربية، والثانى تقوده روسيا ومعها غالبية الدول العربية، يتعاركان حول المجتمع المدنى كرأس حربة للديمقراطية والجيش كضامن لأمن واستقرار البلاد.

تجلت مواقف الفريقين المتباعدة فى البيانات والتعليقات التى أعقبت الإجراءات التى قضت بحل مجلسى السيادة والوزراء وتعطيل بعض بنود الوثيقة الدستورية التى رسمت معالم إدارة المرحلة الانتقالية، فضلا عن اعتقال عدد من كبار المسئولين فى البلاد وحاول كل فريق التعامل معها حسب موقفه السياسى من الجهتين المتصارعتين.

جاءت تصورات واشنطن مؤيدة للمكون المدنى الذى استهدفته القرارات الجديدة، مع أن هذا المكون منقسم على نفسه ويميل جزء منه إلى دعم المكون العسكرى، وصدرت تصريحات أمريكية وجرى التلويح فيها بعقوبات وقطع مساعدات، والدعوة إلى ضرورة التراجع عن الإجراءات الجديدة وفقا للخطاب المعتاد الذى تتبناه الإدارة الأمريكية وينحاز إلى خطاب المجتمع المدنى ظالما أو مظلوما.

بدت توجهات موسكو منحازة إلى المكون العسكرى ظالما أو مظلوما أيضا، وانتقل الخلاف على السودان من المناوشات حول مناطق نفوذ فى البحر الأحمر إلى صراع على جذبه كله يمينا أويسارا، الأمر الذى يوفر للفريق البرهان هامشا للمناورة، والاستفادة من الفجوة الظاهرة بين الجانبين لتثبيت قراراته التى أراد منها تحجيم نفوذ بعض القوى السياسية والانتقال بالسودان إلى بر الأمان، بينما يراها خصومه وثبة عالية فى الهواء للسيطرة على السلطة فى البلاد.

لدى كل جهة داخلية تراكمات لدعم حججها ضد الطرف الآخر فى ظل حالة قاتمة خلفها الصراع على السلطة الانتقالية طوال الأشهر الماضية، ولدى كل جهة خارجية ما يكفيها من المبررات لدعم المكون المدنى أو العسكرى تنطلق من المصالح التى يحققها صعود فريق وهبوط الآخر.

إذا كانت معالم الفرز فى الداخل يحددها الشارع ومدى تجاوبه مع القرارات الجديدة، فإن معالم الفرز فى الخارج تعكس قوة الولايات المتحدة وروسيا فى النظام الدولى، وتأثير كليهما على ما يجرى من تطورات فى السودان، والذى ربما يتحول إلى نقطة شائكة جديدة بين القوتين تضاف إلى كل من سوريا وليبيا وإيران، ربما تحدد الكثير من ملامحها الجهة التى تقبض على مفاتيح السلطة فى السودان لاحقا.

تمثل إدارة الأزمة الراهنة نموذجا لما يدور من خلافات إقليمية بين واشنطن وموسكو، وتبين مدى استعداد الأولى للانسحاب من المنطقة أورغبتها فى إعادة التموضع بدون انخراط مباشر فى أحداثها، كما ستكون كاشفة لما يمكن أن تقدمه الثانية، أى موسكو، من مقاربات تعزز نفوذها المتزايد فى المنطقة، خاصة أن عينيها لم تفارقا السودان وقد تجد فى أحداثه فرصة لصياغة منظومتها فى منطقة القرن الإفريقي.

جاء أول هدف أحرزته موسكو فى مرمى واشنطن على الأراضى السودانية بشكل غير مباشر عندما اتخذ البرهان قراراته بعد ساعات قليلة من اجتماع الثانى مع جيفرى فيلتمان المبعوث الأمريكى للقرن الإفريقى فى الخرطوم خلال جولةحاول فيها إنهاء الأزمة بين العسكريين والمدنيين، وأبدى الرجل تفاؤلا ظاهرا بقدرته على تحقيق اختراق يوقف زحفها قبل أن تصدمه إجراءات البرهان.

وجه حل الحكومة المدنية لطمة للإدارة الأمريكية وأربك حساباتها فى التعامل مع أزمة كانت تعتقد أنها قابضة على خيوطها، وجرى فهمها على أنها رسالة رفض لوساطة فيلتمان، وتعبر عن استهانة بما يمكن أن تتخذه الولايات المتحدة من إجراءات ضد السودان، وأن قيادته العسكرية غير عابئة بما سوف تقوم به واشنطن التى يتهاوى دورها فى المنطقة ولا تبدى استعدادا للتدخل فى أى أزمات إقليمية.

وهى الزاوية التى منحت البرهان جرأة مضاعفة لوضع حد لما يدور من تجاذبات مع القوى السياسية المدنية،والتى خشى أن تقود إلى انفلات أمنى واخفاق فى تمكن الجيش من السيطرة على دفة الأمور، فى وقت تعانى فيه البلاد أزمات اقتصادية حادة، وبدا متيقنا من أن دور الإدارة الأمريكية سيكون هامشيا فى التعامل مع تداعيات الأزمة، ولن يتجاوز الرفض والتنديد والإدانة، وهو ما استشفه من وساطة فيلتمان.

ذهب المبعوث الأمريكى إلى الدوحة عائدا من الخرطوم مباشرة بذريعة أن يكون قريبا من مسرح الأحداث فى السودان، معترفا بأنه تعرض لخديعة، وعبر فى مقابلة تليفزيونية فى اليوم نفسه عن استيائه من روسيا بشكل ينطوى على استهانة بالبيان الصادر عنها ويقف مضمونه فى صف الجيش السودانى وقرارات البرهان.

يكشف هذا النوع من التراشق ارتفاع حجم المخاوف التى تنتاب الإدارة الأمريكية، لأن موسكو بدت مستعدة لبناء أواصر ثقة مع الجيش السودانى تمكنها من أن تكون سابقة بخطوة وربما خطوات، لأن واشنطن ستظل مكبلة بقيود الأزمات التى واجهتها وفشلت فى إدارتها، وتعد الأزمة الأفغانية نموذجا واضحا لفشل يترك رواسبه على أزمات أخرى سنوات طويلة، ومن بينها السودان.

ومع أن ما يدور فى السودان أزمة داخلية بامتياز، غير أن تطوراتها ونتائجها لن تكون بعيدة عن الخلافات بين واشنطن وموسكوعلى بعض مناطق النفوذ، لذلك فمعرفة موقف كل طرف وانحيازاته فى اللحظة الرمادية سيكون مؤشرا على دوره عندما تنجلى الأمور والإعلان عن الفائز فى السباق نحو السلطة فى السودان.


لمزيد من مقالات محمد أبوالفضل

رابط دائم: