رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فى ذكرى معارك الثغرة (٢/٢)

انطلقت المقالة الماضية من فكرة أساسية مفادها أن الثغرة لم تكن مسرحية ولا هى قلبت موازين القوى فى الحرب، فلو كانت إسرائيل قد أكملت نجاحها فى التسلل غرب القناة وتدمير مواقع الدفاع الجوى وإلحاق خسائر بقواتنا باحتلال الإسماعيلية أو السويس أو كلتيهما لا قدر الله لأمكن الحديث عن نصر استراتيجى لها كان من شأنه أن يغير ميزان القوى فى الحرب، لكن صمود القوات المصرية وتضحياتها ومعها الشعب المصرى كما بدا واضحاً فى محاولتى احتلال الإسماعيلية والسويس ومن بعدهما معارك استنزاف الثغرة وخطة تصفيتها وصولاً إلى انسحاب القوات الإسرائيلية كلها أمور تضع معارك الثغرة فى مكانها الطبيعى من إنجاز أكتوبر، ويرد هذا ضمنيا على من يعتقدون أننا نقلل من شأن ما فعلته إسرائيل فى معارك الثغرة، فنحن نعترف بنجاحها فى التسلل غرب القناة وإعطاب بعض مواقع الدفاع الجوى المصرية هناك وإلحاق خسائر بقواتنا، لكنها فشلت فى النهاية فى ترجمة هذا كله إلى نصر استراتيجى واضطُرت لسحب قواتها شرق القناة، ولو كانت فى وضع قوة لما فعلت ولما أطلق جنودها النار ابتهاجاً أثناء انسحابهم من جحيم الهجمات المصرية، ولنتأمل فى التفاصيل من خلال الكتاب الممتع للواء دكتور محمد قشقوش، فبعد النجاح المبدئى الذى استعرضه الجزء الأول من هذه المقالة وصدور قرار وقف إطلاق النار مساء٢٢أكتوبر فى وضع لم يكن يحقق للقوات الإسرائيلية أى ميزة إستراتيجية قامت إسرائيل بخرق وقف إطلاق النار فى محاولة لتحقيق هدف استراتيجى بالاستيلاء على الإسماعيلية أو السويس أو كلتيهما، وفى محاولتها اقتحام الإسماعيلية واجهت مقاومة ضارية من القوات المصرية رغم النقص فى معداتها نتيجة تطورات المعركة إلى أن هاجم تشكيل دبابات معادٍ القوات المدافعة عن المدينة فقامت بنسف جزء من جسر ترعة السويس التى أغرقت المنطقة، وغرزت الدبابات الإسرائيلية، وأصبحت أهدافاً ثابتة لنيران قواتنا، وفشلت القوات الإسرائيلية فى الوصول إلى ترعة الإسماعيلية، وتبدد حلم الاستيلاء على الإسماعيلية حيث بدأ تجميع القوات المصرية تباعاً لحصار الثغرة استعداداً لتدميرها.

أما السويس فقد أبت إلا أن تكون ملحمة تؤكد تلاحم الشعب المصرى مع قواته المسلحة وإرادة الصمود المصرية، وللسويس كما لكل مدن القناة تاريخها المجيد فى النضال الوطنى، وكم كنت أستمتع بالحوار مع الدكتور زكى عبدالملك صاحب الصيدلية المجاورة لمنزلى القديم حول بطولات السويس إبان حرب الاستنزاف حيث كان يقيم ويعمل فى المدينة شبه المهجورة بعد عدوان ١٩٦٧ وتهجير سكانها لوقايتهم من الهجمات الانتقامية الإسرائيلية، وكان الدكتور زكى يعلق فى مكان مميز من صيدليته شهادة تقدير منحها له الرئيس جمال عبدالناصر على دوره أثناء الحرب، وتبدأ قصة ملحمة السويس بالإنذار الذى تلقاه محافظ السويس فى الساعات الأولى ليوم ٢٤ أكتوبر من قائد القوة الإسرائيلية المهاجمة من خلال مكالمة تليفونية قال له فيها بلغة عربية ركيكة إنه يتكلم من إحدى شركات البترول قرب الأدبية وأنه يخيره بين تدمير المدينة أو الاستسلام والاستمرار فى إدارته للمدينة تحت الإشراف الإسرائيلى، وأنه سيعاود الاتصال بعد ساعة لمعرفة قراره، ويتدارس المحافظ الأمر مع مستشاريه ويتم اتخاذ قرار جماعى برفض الاستسلام وتنظيم المقاومة وإبلاغ القاهرة بالقرار الذى باركتة ودعمته، ويخاطب المحافظ المصلين بعد صلاة الفجر ويحيطهم علماً بالموقف والقرار، ويضج المسجد بهتاف الله أكبر، ويتم وضع خطة الدفاع عن المدينة لتتكرر ملحمة صمود قوات الشرطة فى الإسماعيلية أمام قوات الاحتلال البريطانى فى ١٩٥٢ وصمود شعب بورسعيد فى وجه الغزو البريطاني-الفرنسى ١٩٥٦، ولكى نقدر جسارة هذا القرار وبطولته علينا أن نتذكر ماهية القوات التى كانت بصدد التصدى لقوات إسرائيل المنتشية بالاختراق الذى حققته، وكانت هذه القوات تتكون من كوادر المحافظة المدنية وعناصر خدمية شرطية من قسم الشرطة ورجال المرور والإطفاء وبعض المواطنين الذين أصروا على البقاء فى المدينة رغم التهجير، وعناصر إدارية لتشكيلات قتالية عبرت إلى الشرق ذات أسلحة خفيفة، وعناصر من الفرقة ١٩مشاه عبرت إلى السويس بأوامر من قائدها مكونة من عناصر قنص دبابات وبعض الضباط، وعناصر من المقاومة الشعبية (منظمة سيناء) التى تشكلت بعد عدوان ١٩٦٧.

فشل كمين المقاومة الأول فى وقف طابور الدبابات الإسرائيلية المتقدمة لاقتحام المدينة لكن الثانى أصاب دبابة المقدمة فى مقتل وتبعه تفجير آخر للمركبة التالية لها فانحرف باقى الطابور وأسرع فى اتجاه سينما رويال حيث الكمين الثالث فانفجرت مركبة قتال واحترقت بمن فيها وتطايرت الأشلاء وعمت الفوضى بين القوات المهاجمة، واحتمى بعضها بالمبانى ظناً أنها مهجورة، ولم يكن بعضها كذلك لسوء حظهم فكانت نيران البنادق والقنابل اليدوية فى انتظارهم، وبدأ انسحاب القوات حاملة معها المصابين والقتلى، وقدمت إسرائيل للصليب الأحمر لاحقاً كشفاً بأسماء ٣٦ قتيلاً لم يُعثر منهم إلا على ١٨، واستمرت ملاحقة قوات المقاومة لفلول المنسحبين الذين اضطُروا للانسحاب ليلاً بمن فيهم قائدهم المغرور الذى أضاف دون أن يقصد ملحمة جديدة من ملاحم بطولات مدن القناة، وبعد الانتصار فى المعركة العسكرية انتصرت السويس فى معركة الحصار التى امتدت لقرابة ١٠٠ يوم، وكسبها شعب السويس بامتياز بالتعاون مع قواته المسلحة، وهى ملحمة يضيق الحيز بتسجيلها لكنها يجب أن تُروى مع كل أمجاد حرب أكتوبر وبطولاتها لأجيالنا الجديدة كى تعتز بانتمائها لهذا الوطن الحبيب، وكم أحلم بفيلم يجسد بطولات الجيش والشعب المصرى فى معارك الثغرة وأُرشح ملحمة السويس لتكون العمل الأول فى هذا الصدد، وليرحم الله شهداءنا ويجزى كل من قاتل فى هذه الحرب وغيرها من حروب الدفاع عن أمن الوطن واستقلاله وكرامته خير الجزاء.


لمزيد من مقالات د. أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: