رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

سُمْعَة مصر الفنية.. المَنْسية؟!

حالة من الجدل شغلت الرأى العام خلال الأسبوع الماضى كان عنوانها فيلم «ريش» والإساءة المزعومة لسمعة مصر، قطع هذه الحالة تصريحًا لم يكن مصدرُهُ إدارة مهرجان الجونة حيث عُرض الفيلم، أو أحد صناع العمل أو حتى واحدًا من المُختَصين فى النقد الفنى، لكن جاءت التصريحات منْ خانة مسئولٍ حكومى، وتحديدًا كان صاحبها هو الدكتور ولاء جاد الكريم مدير الإدارة المركزية للمبادرة الرئاسية «حياة كريمة»، والذى أكد فى تصريحات صحفية أن المبادرة تنحاز لحرية الإبداع والفن، ولا ترى أن فيلما سينمائيا يمكن أن يسىء لسمعة مصر، معتبرًا أنها أكبر من ذلك بكثير، ومشيرًا إلى أن نموذج الأسرة الفقيرة المحرومة من الخدمات التى يتعرض لها الفيلم تُمثل واقعًا كان يعيش فيه قطاع كبير من المواطنين، نتيجة عقود من الإهمال والسياسات غير المنحازة للعدالة الاجتماعية، وهكذا تجاوز وعى المسئول المصرى الوقوع فى فخ حرث الهواء سواء كان ذودًا عن سُمْعةْ الوَطن أو زيادة فى توزيع جرعات الوطنية المجانية على صفحات (التريند)، ليحسم ما هو محسومٌ بالضرورة من كون مصر وسُمعتها محليًا ودوليًا لا يُمكن أن توضع فى كفَّةٍ واحدة أمام عملٍ فنيٍ أيًا ما كان حجم صُناعِه أو كُلفةْ صناعته، ورَغم وضوح رؤية تصريحات المسئول المصرى لحجم وطنه من ناحية وتعاظم أزماته المزمنة أوجاعًا تسرى فى واقع بنيه، إلا أنَّ هكذا وعيٌ يُلقى على المعنيين بالمصير الفنى المصرى تُهَمْ التخلى عن مواجهة التردى الواقع فى صناعة الوعى بكل أشكالها، والتماهى مع ثقافة (التريند) التى باتت قادرة على تصدير ركيك الفن وسطحى الرسالة وفقير الصناعة باعتباره طربًا أو مسرحًا أو دراما أو سينما أو حتى إعلاما ترفيهيا، والتى قَزَمَتْ الفعاليات الفنية المصرية حتى خرجت عن مساراتها الداعمة للصناعة بمكوناتها إلى تسويقها باعتبارها عروضًا للأزياء أو مبارياتٍ يربحُ فيها مَنْ شذَ مَظْهَرُه أو مَنْ شَفَّتْ بطانتها!.

إنَّ الاتهام بالإساءة إلى سُمعة مصر فى واقع وعينا المعاصر، قد تبدو مقبولة إذا ما كان معيارها تحليل إنتاج وخطاب إعلام التربص الذى تصنعه خِطط تنظيمات التطرف والإرهاب، أو الذى تُنتِجهُ تمويلات مشبوهة التبعية، وساعتها يكون الاتهام مبنيًا على شواهده وقرائنه، أما إطلاق هكذا تهمة على فيلم يُعرض فى محفلٍ مصرى بعدما حصد إشادات وجوائز دولية، فذلك لا يكون إلا هروبًا من مواجهة ذواتنا الإبداعية فى مرحلة ينشد كلُ مُخلِصيها بلوغ الحلم بوطننا المنشود بعدما توهت خطواتنا نحوه عقود من الفساد والإفساد لم يسلم منها وعينا وروافد صناعته والفن على رأسها، وساعتها تتجه أبصار كل مهمومٍ بسمعة مصر ومصيرها إلى مسارحنا المُغلَقة والمُعطلة لتتساءل عن تأثير ذلك على سُمعة مصر؟، وحين تصطدم بمُتابعة المسرح الاستهلاكى الذى طغى نموذجه على خشباتنا والشاشات بالتأكيد سيتساءل ذوو الألباب هل هكذا مسرح يليق بسمعة مصر الفنية؟، وسيستبد بنا الخوف على سُمعة مصر عندما نكتشف أننا مُحاصرون بقبيح الأصوات والهيئات ممن يُعبئون مُسفْ الكلمات والألحان والتصريحات والتصرفات ويفرضونها على أبناء أوطاننا مهرجانات للتلوث السمعى والبصرى، وبالتأكيد فإن كُل مُخلِص لصناعة السينما لنْ يطمئن على سمعة مصر الفنية وهو يرقب إنتاج المرحلة مُنفصلًا عن أولويات الوعى وقضايا المصير بعدما طغى على الصناعة الهروب إلى مُعالجاتٍ هامشية وركاكات كوميدية واستغراق فى مشاهد العنف بادعاء مسايرة سينما (الأكشن).

لقد استطاع المسئول المصرى الواعى بقيمة وطنه أن يُبرئ «ريش» من الإساءة لسُمعة وطن طاله من إساءات الفسدة والمفسدين ما طاله، ليقلب الطاولة على رأس الجميع مدافعين عن الفيلم أو مهاجمين له، إذ إن الحقيقة التى لا جدال فيها أن سُمعتنا المصرية الفنية يُسيء إليها فعلًا من نسى أو تناسى دور الفن فى دعم استنهاض الأمم وإيقاظ الشعوب وإثراء الوعى، وهى تُهمة ستظل موجهة صوب كل معنى بصناعة وعيٍ مصرى وطنى يُفَعِل طاقات المسير صوب غدنا ويفك عُقدًا أزمنت بطول التخلى عن صناعة فنون تليق بمصر وشعبها وإرثها الحضارى.


لمزيد من مقالات عبدالجليل الشرنوبى

رابط دائم: