رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

العلمانية والإسلام.. النص والتاريخ

لا يعرف النص الإسلامى/ القرآن الكريم مفهومى الخطيئة الأصلية والمخلص الفادي، اللذين استوجبا وجود سلطة كنسية على الضمير الفردي، سرعان ما امتدت إلى الفضاء السياسى واستوجب رد الفعل العلمانى كما جرى فى السياق المسيحى الغربى. غير أن غياب السلطة على ضمير المسلم لا ينفى الحاجة إلى تأسيسها على جسده، لأنه إذا كانت غاية الدين هى الارتفاع بالروح من خلال بناء ضمير شخصى يقى الإنسان من السقوط فى أسر الأنانية والشر، فإن ضغوط الجسد وغرائزه الجامحة لا تُردع بقوة الضمير وحده فى كل الأحوال، بل غالبا ما تحتاج إلى سلطة زمنية تشرف على حركة الاجتماع البشرى. وقد نزل الإسلام على بيئة قبلية خشنة، غاب عنها التمدن. وعندما هاجر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى المدينة تشكل أول مجتمع مسلم تحت قيادته، كرأس للدين والدولة معا، يجمع بين النبوة والحكم، يستلهم وحيا إلهيا يوجهه ويعاتبه، مثلما يفرض على المسلمين طاعته. وبرحيله انتهت التجربة الفريدة ووقع الانفصال بين السلطتين: الدينية والسياسية، الأمر الذى أثار جدلا فقهيا وكلاميا لم يتوقف أبدا حول ظاهرة السلطة فى الإسلام. لقد ذهب تيار نحيف إلى عدم وجوب الإمامة إذا استقام أمر الناس بعضهم البعض، ومنه الأصم المعتزلي، وبعض الخوارج، فالواجب عند هؤلاء هو إمضاء أحكام الشرع، فإذا توافقت الأمة على العدل وتنفيذ أحكام الله ما احتاجت إلى إمام. يبدو هذا التيار صائبا نظريا، فالسلطة مطلوبة فقط لتنظيم حركة المجتمع، وفرض سيادة القانون وليس لفرض العقيدة، وقد تمكنت أقليات دينية كثيرة من الحفاظ على عقيدتها فى مجتمعات مغايرة دينيا، بل إن المتدينين بعقيدة ما غالبا ما يبدون تمسكا أكبر بها إذا ما تعرضوا للاضطهاد. غير أن هذا الفهم النظرى لا ينسجم مع الغايات الوجودية للإسلام، فحتى لو حافظ الناس على دينهم دون سلطة تنظمهم، فلن يستطيعوا الاندراج فى جهد جماعى لنشر رسالة العمران، والدفاع عن الديار، لنصبح أمام مجتمع خامل ممزق، لا يعرف لنفسه غاية، ولا يملك إرادة جماعية تحفزه إليها، ولذا كان شبه الإجماع الكلامى على وجوب السلطة السياسية. دفعت الحركة التاريخية المسلمين إلى ما يمكن تسميته علمنة الأمر الواقع بعد جيل واحد من وفاة الرسول الكريم، إذ لم تكن هناك قواعد شرعية تحكم اختيار خليفته بل تولى الخلفاء الراشدون الحكم فى ظل ملابسات سياسية جد مختلفة، سادت بعضها أجواء الفتنة وأريقت فيها الدماء. وبانتهاء حقبتهم تبدت السلطة شأنا تاريخيا بحتا، فلم تكن هناك مؤسسة دينية مهيمنة على السياسة رغم ما نشأ تدريجيا من وظائف اضطلع بها رجال محترفون لعبوا دور الرعاة لحاجات الناس الدينية من قبيل: صلاة الجمعة، عقد الزواج، إصدار الفتاوى، تفسير الشرع.. الخ، واستمروا جزءا من مؤسسة الدولة الحديثة كدار الإفتاء ومحاكم الشرع، والمعاهد والجامعات الدينية، ناهيك عن إمامة المساجد وإدارة الأوقاف التى خصص لها وزارة كاملة. بل إن السياسة، على العكس، بدت مهيمنة على الدين، حاكمة لأغلب الصراعات بين الفرق الكلامية والمذاهب الفقهية. أفصح الخليفة الأموى معاوية عن ذلك فى خطبة التأسيس عندما وعد الناس بمأكل حسن ومشرب حسن، مقابل الطاعة وإلا فهو السيف، الذى سرعان ما قصف به رقاب معارضيه مهما تكن عزيزة، وهو الطريق الذى واصله بشغف ابنه يزيد وربيبه الحجاج بن يوسف الثقفى. أما المأمون العباسي، المتفتح والمستنير، فقام بقهر الإمام أحمد بن حنبل لمصلحة التيار المعتزلى فى محنة خلق القرآن، ليحسم بقوة السلطة خلافا كلاميا. إنه الأمر نفسه الذى قام به سلفا الإمبراطور قسطنطين فى مجمع نيقيه (325م) عندما حسم الخلاف اللاهوتى حول طبيعة السيد المسيح لمصلحة القس السكندرى إثناسيوس ضد القس آريوس. كانت السياسة فاعلة فى الحالتين، غير أنها فى الحالة الإسلامية كانت تأكيدا على ما كان وسوف يستمر، أما فى الحالة المسيحية فكانت تأكيدا على ما كان ولكنه لن يستمر، إذ سرعان ما انطوت الإمبراطورية الرومانية فى عباءة الكنيسة الكاثوليكية بعد نحو القرن ونصف القرن. لم يكن الإسلام، إذن، ممانعا لصيرورة العلمنة السياسية جوهريا وإن ظل مصطلح العلمانية غريبا عن نصوصه. كانت جذور الظاهرة قائمة وإن لم تسم باسمها أو تتشكل فى القالب نفسه الذى ستُصب فيه نظيرتها الغربية؛ ذلك أن المفاهيم التأسيسية لا يمكن أن تظل ساكنة وهى تخوض فى غمار حركة التاريخ، ولكنها لا تفقد هويتها تماما فى أثناء الارتحال الشاق داخل ثنايا التاريخ، بل تحتفظ بجوهرها ثم تضيف إليه ما تيسر لمستقبليها المغايرين من تعديلات. تلك التعديلات، تخضع لمنطق التاريخ نفسه، ففى تطوره الصاعدة يمكن لبعض المفاهيم أن تتبلور لتسمى جواهر غير مسماه بعد، ولمفاهيم أخرى أن تتعدَّل لتعبر عن جواهر تم تطويرها، على نحو يجعلها أكثر حضورا وقدرة على تجسيد زمانها، ولمفاهيم ثالثة أن تندثر لأن جوهر ما كانت تعبر عنه قد تحلل وتجاوزه الزمن، وهذا ما نعتقد أنه قرين لصيرورة ارتقاء العقل البشرى. بالقطع لم تكن العلمانية فى التاريخ العربى الإسلامى حديثة، موشاة بالديمقراطية الليبرالية، بل علمانية بدائية صاغتها صراعات السلطة ونزق العروش الحاكمة إلى بناء المجد السياسى. وهنا يتعين علينا ألا ننسى ما دمنا نمارس النقد التاريخى أن الخليفة معاوية لم يكن يختلف كثيرا عن أمير فلورنسا الذى خاطبه نيقولا ميكيافيللى، وأن كل الدول الإمبراطورية فى تاريخ الإسلام، عدا الدولة العثمانية، كانت سابقة على دولة توماس هوبز الشمولية، وإن ظل للعقد الاجتماعى لديه امتيازه الذى لا يمكن تقديره إلا فى السياق الأوروبي، خصوصا الكهنوت القروسطوى.

للحديث بقية

[email protected]
لمزيد من مقالات صلاح سالم

رابط دائم: