رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مقهى ريش..احتضان للوطن والإبداع

مقهى ريش الشهير، أحد أهم مقاهى القاهرة، هو موضوع أحدث إبداعات الصديقة العزيزة الروائية والشاعرة ميسون صقر من خلال مجلدها المعنون: مقهى ريش عين على مصر، لقد استطاع مقهى ريش، عبر أكثر من قرن من الزمان، أن يكتسب روحا ومعنى بفعل الناس وحضورهم الفاعل فيه...فلم يعد فراغا هندسيا أو مساحة جغرافية وإنما سياق تاريخى يتطور بتطور الأحوال وبتغير الأوضاع... وشخصية تكتسب ملامح وتمارس أدوارا وطنية واجتماعية... لذا بقى صامدا وشاهدا على مصر المحروسة...

فى هذا السفر الثمين، تفتتح ميسون كتابها بعبارة تعكس فلسفة الكتاب ورؤيته تجاه الأماكن تقول: للأماكن روح تتنفس وحضور يتجسد وحنين يطاردنا؛ وهى عبارة تشير مباشرة إلى ما يعنيه مقهى ريش ويجسده ويحمله من قيمة لايمكن إنكارها أو تجاهلها...فتاريخ المقهى: المكان؛ الذى بحسب ما أوردت ميسون صقر فى متن المُفتتح قد: خلق تميزه، من سر موقعه وتفرده، وبقيمة رواده.. ومن ثم لم يعد: مجرد جماد لايتزحزح، بل يشارك برواده فى أحداث الوطن على مدى عقود.. كما أصبح له نصيب كبير من الشهرة كونه أحد مراكز تجمع التيارات الثقافية والسياسية.. ما أهله ــ كما كتب البعض بمثابة ــ إحدى المؤسسات الاجتماعية غير الرسمية التى تُسهم فى تتبع ملامح التغير الاجتماعى والتعرف على حقيقة وواقع هذه التحولات ومنها المعترك السياسى الذى شهد بامتداد تاريخ كافيه ريش خطا بيانيا متصاعدا للأحداث السياسية فى مصر بدءا من ثورة 1919...وبالطبع إلى الآن.

وفى ضوء منهجية متعددة المقاربات تقدم المؤلفة معمارا نصيا محكما متتابعا من خلال تمهيد وأربعة فصول يتضمن:

أولا: التمهيد: تستعرض فيه المؤلفة استعراضا بانوراميا مكثفا تاريخ مدينة القاهرة منذ العصور القديمة حيث عرفت باسم مدينة الشمس ثم تحولاتها المتعاقبة فى العصور المتتالية مرورا بالفترة الرومانية فالإسلامية وحتى تأسيس الدولة الحديثة والقاهرة الخديوية ــ وسط البلد بالأساس ــ التى تُنسب للخديو إسماعيل (1863 ــ 1879) وكيف يعد تأسيسها انتقالا نوعيا بين عصرين. ثانيا: الفصل الأول: تشرح فيه المؤلفة ملامح التحديث العمرانى الذى خُططت وفقه القاهرة الخديوية؛من حيث: شوارعها، وميادينها، وطرزها المعمارية، وحدائقها، وقصورها، ومعالمها من متاحف وتماثيل وكبارى وأبنية حكومية وخاصة، وكنائسها، وجوامعها،وفنادقها،...،إضافة لثبت بأسماء أهم المعماريين المصريين والأجانب الذين ساهموا بتصميماتهم فى تشكيل جماليات القاهرة الخديوية. ثالثا: الفصل الثانى: وترصد فيه المؤلفة مقاهى القاهرة؛من حيث: تاريخها وبدايات ظهورها، وأنواعها، وأدوارها ووظائفها، وأشهرها سواء الشعبية كالفيشاوى، وقشتمر، والبوستة،...،إلخ، أو الإفرنجية كمتاتيا، والأمريكيين، وإستوريل،...،إلخ. فى هذا الإطار ولد كافيه ريش عام 1908، وكلمة ريش فى الأصل كلمة فرنسية تعنى الفاخر وفى الأغلب تم استعارة الاسم من مقهى فرنسى عريق حمل نفس الاسم لم يزل قائما حتى الآن. وحرصت المؤلفة على تتبع التطور الذى لحق بموقع المقهى داخليا وخارجيا حتى استقر على ما هو عليه. وكيف أن مالكه رجل الأعمال الأجنبى الذى امتلكه أثناء الحرب العالمية الأولى كان محبا للفنون والآداب فتحول المكان على يديه إلى قبلة ثقافية وفنية كبرى بقيت إلى يومنا هذا...وتختم المؤلفة الفصل الثانى بما نصه: ومثلما دخلنا مقهى ريش من عين القاهرة الخديوية ومن باب المقاهى، فلندخله من عين الفترة الزمنية، ومن باب الوثائق: مفتاح سر المكان... رابعا: الفصل الثالث: وقد عنونته المؤلفة بما يلى: دفتر أحوال مقهى ريش؛ وتقترب فيه مما سمته التاريخ الخاص للمقهى من خلال العلاقات الإدارية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية بين مختلف الطبقات والجنسيات والإدارات، سواء كانت ضريبية أو تنظيمية أو قضائية، داخل القطر المصرى، من خلال جزئية المقهى والأرض المقام عليها. وذلك بتوثيق المستندات والوثائق الخاصة بالمكان وتطور ملكيته وصولا إلى أصحابه الحاليين. وتبوح هذه الوثائق من: عقود بيع وشراء للعقار والمقهى، ومن قاموا بالإدارة نيابة عن الملاك الأجانب، ومراسلات متنوعة، بالكثير عن تطور القوانين المنظمة لشئون الحياة اليومية فى مصر. خامسا: الفصل الرابع والأخير: وتفصل فيه المؤلفة الحيوية السياسية والثقافية والفنية،للمقهى على مدى مئويته، كذلك الاجتماعية التى عنى بها مالكه الأشهر الراحل الأستاذ مجدى عبد الملاك بعد تجديد المقهى فى مطلع الألفية الثالثة من خلال إفطار اسبوعى للرواد الدائمين للمقهى وصفه الكتاب بالحاضنة الاجتماعية...وبالعودة للحيوية السياسية والثقافية والفنية للمقهى سوف يجد القارئ: أولا: الكثير من تفاصيل الوقائع السياسية التى جرت فى المقهى وجعلته ــ بامتياز ــ مسرحا للأحداث منذ إرهاصات ثورة 1919 وصولا لثورتى 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013.. وثانيا: توثيق للعروض الفنية الموسيقية والغنائية والمسرحية التى كانت تعرض فى مسرح كافيه ريش فى العقدين الثانى والثالث من القرن العشرين. ثالثا: رصد لتطور الحياة الثقافية المصرية من خلال المنتديات الفكرية الحوارية بمقهى ريش خاصة مع انتقال ندوة أديب نوبل نجيب محفوظ من كازينو الأوبرا إليه عام 1963فكان ذلك بمثابة تدشين لمرحلة جديدة يحتضن فيها المقهى المثقفين من مصر وخارجها ويوفر لهم المناخ للإبداع وانطلاق المشروعات الثقافية والتعبير عن الرؤى والمواقف المتنوعة. وتؤكد أسماء وأعداد المبدعين الذين ذكروا فى الكتاب أهمية مقهى ريش فى تاريخ مصر السياسى والثقافى...

مقهى ريش.. عين على مصر, عمل بديع ومركب للأستاذة ميسون صقر يغطى مدى زمنيا طويلا ويوظف العديد من الحقول المعرفية كالثقافة والسياسة والعمران والحداثة من أجل معرفة أكثر عمقا للمصريين ومجتمع مصر المحروسة.


لمزيد من مقالات سمير مرقص

رابط دائم: