رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

العراق وقضية الرئاسات الثلاث

من قبل الإعلان عن النتائج النهائية للانتخابات البرلمانية يشهد العراق حراكًا سياسيًا جوهره مَن يتولّى الرئاسات الثلاث لكلٍ من: الجمهورية والحكومة ومجلس النواب. ومن المعلوم أن العمل جرى فى العراق منذ إسقاط نظام البعث على أن يتولّى رئاسة الجمهورية كردى، ومجلس النواب سنّى، أما رئاسة الحكومة فإنها تذهب لصاحب الكتلة البرلمانية الأكبر والذى يكون شيعيًا لاعتبارات تتعلق بكون الشيعة هم أكبر مجموعة سكانية. بهذا المعنى فإن توزيع الرئاسات الثلاث أو بالأحرى رئاستّى الجمهورية والنواب هو توزيع توافقى لا سند دستوريًا له، وبالتالى فإن هذا التوزيع من المفتَرَض أن يكون قابلًا للتغيير بالتوافق أيضًا، لكن تلك المعلومة ليست شائعة فكثير من المتابعين للشأن العراقى يظنون أن هذا التوزيع وارد فى الدستور، وفى الحقيقة إنه تقليد متواتر ولم يتم الخروج عنه منذ عام ٢٠٠٣ إلا مرتين، الأولى عندما تولى الشيخ غازى عجيل الياور العربى السنّى رئاسة مجلس الحكم الانتقالى من يونيو ٢٠٠٤ لأبريل ٢٠٠٥، والثانية عندما تولّى محمد فؤاد معصوم الكردى رئاسة مجلس النواب لبضعة أشهر بعام ٢٠١0.

فى مقابلة تليفزيونية فى مايو الماضى طرح محمد الحلبوسى، زعيم تحالف تقدّم الحاصل وفق النتائج الأوّلية للانتخابات على قرابة ٣٧ مقعدًا ورئيس مجلس النواب المنتهية ولايته، فكرة أن رئاسة الجمهورية من حق المكوّن السنّى وليس الكردى. لكن هذه الفكرة قوبلت برفض من الجانب الكردى ومن بعض السنة. أما الأكراد فإن حرصهم على موقع رئاسة الجمهورية رغم طبيعته الرمزية فى النظام البرلمانى العراقى، ربما ينبع من أن رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وبالتالى فإن موافقته ضرورية قبل تحريك تلك القوات مما يقلل من احتمالات اصطدامها بالأكراد، وذلك رغم أنه عندما قام الأكراد بالاستفتاء على تقرير المصير عام ٢٠١٧ دخل الجيش العراقى إلى كركوك. أما معارضة قطاع مَن السنّة فلأنه إذا ذهب إليهم منصب رئاسة الجمهورية فعلى الأرجح فإن منصب رئيس مجلس النواب سيذهب للأكراد، وهذا المنصب الأخير هو الأهم. لكن الحلبوسى قد تكون له حساباته الخاصة، منها رغبته فى أن يكون هو ممثل الدولة العراقية، ومنها تشككه فى إعادة اختياره لرئاسة البرلمان مرة ثانية، هذا رغم أنه القوة السنّية الأكثر شعبية كما سبق القول ورغم إنجازاته المهمة فى تعمير محافظة الأنبار بعد الدمار الذى لحقها بسبب تنظيم داعش ثم الحرب عليه. لكن الأرجح أن الأكراد سيحتفظون برئاسة الدولة، لأن كم التعقيدات السياسية المترتّبة على الانتخابات الأخيرة لن يكون فى حاجة إلى إضافة المزيد، أما مسألة إعادة انتخاب برهم صالح لرئاسة الجمهورية فهى مسألة محّل نظر، لأن الاتحاد الوطنى الكردستانى الذى ينتمى إليه برهم صالح يعانى مشكلات داخلية جسيمة كانت السبب فى خسارته المزيد من المقاعد لصالح منافسه الحزب الديمقراطى الكردستانى فى الانتخابات الأخيرة.

وبالنسبة لرئاسة البرلمان فإنه فى حال لم يتم التجديد لمحمد الحلبوسى، فإن اسم منافسه اللدود رجل الأعمال وزعيم تحالف العزم خميس الخنجر قد يُطرح كبديل، فلقد تمكّن هذا الأخير من بناء شبكة من العلاقات مع إيران وحلفائها فى العراق وبالذات تحالف الفتح الذراع السياسية للحشد الشعبى، وكانت هذه العلاقات هى التى مكّنت الخنجر من العودة للعراق وإسقاط التهم الموجهّة إليه بدعم الإرهاب. لكن هذا التطور يتوقف على عدة عوامل أهمها موقف التيار الصدرى الذى دعمه الحلبوسى فور الإعلان عن النتائج الأوليّة للانتخابات.

نأتى بعد ذلك إلى بيضة القبّان فى النظام العراقى أى رئاسة الحكومة التى يشتد التنافس عليها بين الكتل الشيعية. وفى مقال الأسبوع الماضى رأينا أن مقتدى الصدر يمكنه تشكيل الكتلة الأكبر، تحت قبّة البرلمان، وهى الكتلة التى يحّق لها أن تسمّى رئيس الحكومة من خلال التنسيق مع تحالف تقدّم والحزب الديمقراطى الكردستانى وبعض المستقلين. لكن يوجد تحرك شيعى مضاد لهذا الاتجاه يتم داخل ما يُعرَف بالإطار التنسيقى الشيعى الذى تكوّن بعد الانتخابات الأخيرة بهدف تشكيل الكتلة الأكبر وبالتالى سَحْب البساط من تحت قدمّى مقتدى الصدر وحلفائه. هذا الإطار يضّم من الشيعة: ائتلاف دولة القانون نورى المالكى وتحالف الفتح هادى العامرى، وتقترب من هذا الإطار قوى غير شيعية على رأسها تحالف العزم لخميس الخنجر وربما الاتحاد الوطنى الكردستانى. إذن هناك كتلتان قيد التشكّل ومن الوارد جدًا أن تسحب إحداهما من مكوّنات الأخرى إذا ما كانت هى الأقوى وقدّمت إغراءات أكبر للالتحاق بها. الكتلتان المتنافستان مسلحتّان حتى النخاع والبديل الوحيد لعدم ذهابهما إلى حرب شيعية- شيعية أن يتحكّم صوت العقل ويتم التوافق على اسم رئيس الحكومة، وهو ما يحتاج تنازلات. فمن المعلوم أن المالكى راغب بشّدة فى العودة لمنصب رئيس الوزراء، وهو نجح فى بناء دولة عميقة داخل العراق، فضلًا عن تمتعه بدعم كبير من إيران التى استماتت للتجديد له فى ٢٠١٤ لكن هذا كان مستحيلًا مع سقوط الموصل بيد داعش فى عهده. كما أن الصدر الذى كرّر كثيرًا أن رئاسة الحكومة يجب أن تذهب للصدريين سيغريه الفوز الانتخابى بالتمسُك بهذا المطلب. ومع احتدام التنافس قد يرد طرح اسم رئيس الوزراء الحالى مصطفى الكاظمى، علمًا بأنه قبل الانتخابات كان من الأسهل التوافق على إعادة تكليفه بتشكيل الحكومة، أما بعد الانتخابات واتهامه من بعض القوى الشيعية الخاسرة بالتدخل لتوجيه النتائج ضدها، فإن حظوظه صارت أقل، لكن مَن يدرى فعندما يكون المطروح هو الاختيار بين مرشح نصف توافقى أكان هو مصطفى الكاظمى أو غيره والصراع المسلّح، فإنه قد يختار البديل الأول. وثمة سيناريوهات أخرى لتكوين الكتلة الأكبر، منها سيناريو تقارُب المالكى مع الصدر وقد وردت عبارات تهدئة فى هذا الاتجاه رغم محدودية فرص نجاح هكذا تحالف بسبب تاريخ العلاقة السيئ بين الرجلين، وستلعب كتلة قوى انتفاضة تشرين دورًا ترجيحيًا لابأس به لأى من السيناريوهات السابقة.


لمزيد من مقالات د. نيفين مسعد

رابط دائم: