رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الاستثمار فى التعليم أساس دولة المستقبل

أزعم أن التوجه نحو بناء دولة المستقبل قد بدأ مع ثورة 30 يونيو/ 3 يوليو بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى، منذ أطاحت بمشروع الدولة المتاجرة بالدين. لكننى أدرك أن تسريع وتعزيز التقدم نحو استكمال بناء دولة المستقبل- دولة كل مواطنيها، التى تعزز كل حقوقهم دون تمييز أو تهميش- يتطلب من الأمة المصرية تكلفةً ووعياً وصبراً. فلم تتحقق انجازات كبرى على طريق التقدم الشامل بغير دفع الثمن المحتوم، مالاً وجهداً وعرقاً بل ودماً. لكننى أثق فى قدرة مصر والمصريين على الاستجابة للتحدى، ومن منظور إعمال الحق فى التعليم والاستثمار فيه باعتباره الرافعة الأهم لبناء دولة المستقبل، فإن مبعث يقينى ألخصه فى:

أولا، إن تاريخ مصر، التى قادت التقدم الانسانى نحو ثلثى تاريخه المكتوب، على أن سبقها الحضارى كان ثمرة إعلاء مكانة التعليم والعلم. ولنتذكر دوما أن التاريخ الانسانى هو البرهان على صحة الاستنتاجات، كما المعمل فى العلوم الطبيعية والمنطق فى العلوم الرياضية. ويسجل عالم المصريات الرائد جيمس هنرى برستد- مؤلف فجر الضمير- فى كتابه تاريخ مصر من أقدم العصور إلى الفتح الفارسى: أن ملوك مصر القديمة كانوا متعلمين ومستنيرين، وبفضل مهارة موظفى الحكومة بلغ نظام الحكم والادارة في القرن الثلاثين قبل الميلاد تقدما لم تبلغه أوروبا إلابعد نحو أربعة آلاف سنة!!حيث اشترطت الحكومة على كل موظف فيها أن يكون متعلماً تعليما راقياً، وأنشأت مدارس خاصة لتخريج اللائقين لهذه الأعمال. وكان المصريون القدماء غزيرى المعلومات والنظريات فى الطب، ومكنتهم معلوماتهم الفلكية الغزيرة من توقيت زمنهم بالسنين قبل نحو ستة آلاف وسبعمائة عام، وكان لهم السبق فى البناء بالحجر، وتوصلوا إلى حل معادلات جبرية ومعرفة مبادئ علم الهندسة والكثير من علم الميكانيكا، وتماشى رسمهم قواعد هرم الجيزة الأكبر مع دقة الآلات الهندسية الحديثة. وبالمقارنة مع اليونان التى يعدها البعض فى الغرب أصل حضارته، كانت معابد المصريين الصغيرة أصل عمارة المعابد اليونانية، وكان المصريون قبل اليونان أول من مارس فن النحت والنقش والرسم، وصبغت الصناعة اليونانية بالصبغة المصرية بدرجة كبيرة، وارتبط تطور الصناعة فى مصر القديمة بتقدم التعليم والعلم والفن، وتكشف الآثار ما بلغته من جودة وإتقان وذوق العمال.

وثانيا، إن تأخر مصر الوسيطة كان حصاد انحطاط التعليم، الذى بلغ أدنى مستوياته فى أواخر الحكم العثمانى، حيث اقتصر على الكتاتيب والأزهر، واقتصر التعليم الأزهرى على العلوم الشرعية وبعض الحساب اللازم لضبط أحكام المواريث، ولم تكن للعلوم العملية أدنى نصيب. ولم تعرف مصر التعليم الحديث للعلوم العملية إلا مع تولى محمد علي باشا حكم مصر عام 1805.

وكانت النهضة التعليمية والعلمية فى عهد محمد على رافعة بناء مصر الحديثة؛ وبدأت هذه النهضة بإرسال البعثات إلى أوروبا حوالى سنة 1813 وما بعدها، لتجد مصر من خريجي هذه البعثات كفايتها من المعلمين في مدارسها العالية، والقادة والضباط لجيشها وبحريتها، والمهندسين والقائمين على شؤون العمران فيها وإدارة الحكومة. وكان حسن استعداد المصريين وذكاؤهم الفطرى هو ما دفع محمد الى انشاء المدارس الحديثة العالية والثانوية والابتدائية؛ وبدأ بإنشاء مدرسة الهندسة بالقلعة فى عام 1816باستخدام معلمين أوروبيين؛ لتوفير ما تحتاجه مصر من مهندسين لإنجاز اعمال العمران.وكان التعليم فى المدارس كافة ــ عالية وتجهيزية وابتدائية ــ مجانيا. ويقول ميريو في كتابه مصر المعاصرة الصادر فى 1857 إنه يقدر المصاعب التي واجهها محمد علي فى إنشاء نظام تعليمى حديث،لكن ما حققه كان يمثل عمل اجيال كاملة.وحين فرضت معاهدة لندن 1841، تقليص حجم الجيش والأسطول المصريين، ورفع الحماية المشروعة للصناعة المصرية الناشئة، أغلقت معظم المدارس فى أواخر عهد محمد على. ثم عادت مصر- فى أعقاب ثورة 1919- سباقة فى اقرار الحق فى التعليم مقارنة بغالبية البلدان النامية وكثير من البلدان المتقدمة، وكان طه حسين رائد الدعوة الى مجانية التعليم فى مصر، وتمكن مستشارا ثم وزيرا للتعليم من اقرار مجانية التعليم الابتدائى ثم الثانوى. وكان فضل ثورة 1952 أنها أقرت مجانية التعليم الجامعى، ووسعت فرص الاستفادة من مجانية التعليم قبل الجامعى، ورغم الافتراءات على مجانية التعليم بقيت عَصيةً على وأدها، رغم كل النواقص والمصاعب.

وثالثا، إن الحق فى التعليم التزام سياسى للدولة فى عهد الرئيس السيسى وفقا لدسـتور 2014؛ الذى نص على أن تكفـل الدولة-بغير تمييز لأى سبب كان- الحـق فـى التعليـم لـكل المواطـنين؛وإلزامية التعليم الإلزامى حتى المرحلـة الثانويـة أو مـا يعادلهـا، ومجانيـة التعليـم بمراحلـه المختلفـة فـى مؤسسـات الدولـة التعليميـة،بما فى ذلك التعليــم العالى فــى جامعــات الدولــة ومعاهدهــا، وتخصيـص نسـبة لا تقـل عـن 4% من الناتـج القومـى الإجمالى للتعليـم قبـل الجامعـى، ونسـبة لا تقـل عـن 2% للتعليـم الجامعـى، وتخصيـص نسـبة لاتقـل عـن 1% مـن الناتـج القومـى الإجمالى للبحـث العلمـى تتصاعد تدريجيا حتـى تتفـق مـع المعـدلات العالميـة. وتؤكد وثيقة الاستراتيجية الوطنية لحقوق الانسان على الالتزام بالحق فى التعليم. لكن الوثيقة بعد عرض الانجازات تعرض التحديات؛ثم تبين أن الاستجابة تتطلب: خفض نسبة الأمية، ورفـع معدلات القيـد، وتقليص التسـرب مـن التعليم، وتضييـق الفجـوة التعليميـة بيـن الأطفال فـى الحضـر والريف، والتوســع فــي إنشــاء مــدارس لجميع المراحــل التعليميــة فــي جميــع المناطــق، وتطويــر البنيــة التحتيــة التكنولوجيــة، وتحسين جودة التعليم ما قبل الجامعي بما يتوافق مع المعايير العالمية.

وأختم فأقول: إن الزيـادة السكانية المنفلتة تمثل عائقًا أمـام جهـود توفيـر المـوارد اللازمة للارتقاء بنوعية التعليم لجميع المصريين؛ وهو ما يستحق تناولا لاحقا.


لمزيد من مقالات د. طه عبد العليم

رابط دائم: