رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

معارك السويس الباسلة

تحرير سيناء لم يأت من فراغ... بل كان محصلة صمود ونضال جيش وشعب بأكمله... وتأتى مدينة السويس على قمة هذا النضال بلا جدال سواء بسبب ما تحملته خلال معارك حرب الاستنزاف على مدى ثلاث سنوات متصلة أو فى حرب أكتوبر والتى انتهت بملحمة السويس الخالدة... فهى بذلك ساهمت فى تحرير الأرض والكرامة، مؤكدة شموخ شعب مصر بما أنجزه من انتصارات فى مواجهات صعبة وتحديات مثّلت حرب أكتوبر 1973 ذروة هذه التحديات.

أتحدث عن بطولة مدينة عاصرت وشاركت فى معاركها... فقد كنت رئيساً لعمليات قطاع السويس العسكرى خلال حرب الاستنزاف... وعندما تم إيقاف نيران معارك هذه الحرب فى أغسطس عام 1970 انتقلت إلى العمل رئيساً للعمليات فى الجيش الثالث الميدانى، وكانت المدينة فى ذلك الوقت أيضاً تقع فى نطاق المسئولية. وتبدأ القصة بعد نكسة يونيو 1967... كانت مدينة السويس والقرى حولها مكدسة بسكانها... ومع تصاعد معارك الصمود والردع خلال هذه الفترة الحرجة خاصة بعد معركة رأس العش فى أول يوليو من نفس العام 1967، ثم تدمير وإغراق المدمرة البحرية الإسرائيلية إيلات فى 21 أكتوبر فى نفس العام أيضاً... قامت القوات الجوية والمدفعية الإسرائيلية بتركيز ضرباتها ونيرانها العشوائية ضد المدينة وأحدثت خسائر بشرية كبيرة وفى بنيتها التحتية، الأمر الذى دفع بالقيادة السياسية إلى إصدار قرارها بتهجير معظم أهالى السويس وباقى مدن القناة إلى محافظات العمق لتقليل تلك الخسائر... ثم بدأنا فى تصعيد معارك حرب الاستنزاف ضد القوات الإسرائيلية شرق قناة السويس وفى عمق سيناء وشاركت عناصر من شعب المدينة خاصة من أبطال منظمة جنوب سيناء، وكبدوا القوات الإسرائيلية خلالها خسائر فادحة.. ثم قامت حرب أكتوبر 1973 وما حققته قواتنا فيها من انتصارات عبر اقتحام قناة السويس وتدمير خط بارليف وانتصارات قواتنا فى عشرات المعارك فى سيناء وتكبيد القوات الإسرائيلية خسائر كبيرة لم تتكبد مثلها فى تاريخها... إلى أن بدأ الجسر الجوى والبحرى الامريكى فى تعويضها بأحدث الأسلحة والمعدات اعتبارا من اليوم الرابع للحرب.

ومع تطور الأحداث خلال هذه الحرب ... وبصدور قرار مجلس الأمن الدولى رقم 338 بإيقاف النيران اعتبارا من مساء الاثنين 22 أكتوبر 1973... بدأت القوات الإسرائيلية التى تمكنت من التسلل إلى غرب القناة تقدمها جنوبا فى حماية هذا القرار واستغلال التزام قواتنا بالقرار الدولى وكان هدفها احتلال إحدى مدن القناة بأى ثمن لتغطية آثار هزائم قواتهم شرقاً فى سيناء... وأثناء تقدمهم قاموا بردم قطاع من ترعة السويس فى المنطقة وهى واحد كيلومتر جنوب فايد وهى المصدر الرئيسى لإمداد المدينة بالمياة العذبة ولكن لم تتأثر المدينة بعد اكتشاف بئر سيدى الغريب.

وكان قائد هذه القوة الإسرائيلية الضخمة الجنرال أبراهام آدان يظن أنه فى نزهة وأن مدينة السويس ما هى إلا مدينة أشباح كما أخبرته بذلك عناصر دوريات استطلاعه، وأخذ يمّنى نفسه بشهرة عسكرية عندما يتمكن من الاستيلاء عليها وليكون لسقوطها دوى سياسى عالمى.

ولكن لم يخطر بباله للحظة بأن المدينة ستتحول فجأة إلى قلعة حصينة وأن قواته ستسقط فى ستالينجراد أخرى... وكان هذا اليوم يوافق 24من أكتوبر... عندما تمكنت القوات المدرعة الإسرائيلية من دخول المدينة من عدة اتجاهات... وباختصار دار قتال اسطورى متلاحم فى الشوارع والمنازل وفى قسم شرطة الأربعين ... وفى مناطق أخرى عند مسجد الشهداء ومبنى المحافظة القديم وفى منطقة البراجيلى والعوايد وحوض الدرس وعند مدخل بورتوفيق وبالقرب من فندق بلير وسينما رويال... وكانت على أشدها على امتداد شارع الجيش، وبفضل ذلك التلاحم العظيم بين أطقم قتال من القوات المسلحة والشرطة المدنية والمقاومة الشعبية من أبناء السويس، وبدعم من قواتنا المنتصرة فى شرق القناة بقيادة اللواء يوسف عفيفى أمكنهم تدمير هذه القوات داخل المدينة وأسر عدد كبير منهم، بينما تمكن الباقى من الفرار تاركين وراءهم مئات القتلى وعشرات من الدبابات والعربات المدمرة... ثم قامت باقى قوات الجنرال أبراهام آدان بعد فشلها فى احتلال مدينة السويس فى فرض الحصار حولها... ومع ذلك لم تشعر القوات الإسرائيلية طوال مدة حصارها للمدينة بالأمن والاستقرار بل كانت تتكبد بصفة مستمرة المزيد من الخسائر. وجاء يوم 26 أكتوبر أول أيام عيد الفطر المبارك ودقت أجراس الكنائس وارتفعت تكبيرات صلاة العيد فى المآذن والمساجد... وعلى أصواتها قامت قيادة قطاع السويس العسكرى بدفع مجموعات قتال لتشن غاراتها المفاجئة ضد القوات الإسرائيلية وكبدتها أفدح الخسائر... واستمر أبطال المدنية فى شن عملياتهم وفى إزعاج القوات الإسرائيلية إلى أن وصلت طلائع قوات الطوارئ الدولية يوم 28 أكتوبر لتبدأ بعدها إجراءات فض الاشتباك والفصل بين القوات.. وفى 17 يناير 1974 تم فك الحصار بعد التوقيع على اتفاقية الفصل بين القوات... هذا وقد التقطت عناصر الاستطلاع اللاسلكى لقواتنا أصوات الجنود الإسرائيليين المنسحبين من على مشارف المدينة يهتفون بحياة الرئيس السادات وهم فى سعادة لخروجهم من هذا الجحيم.


لمزيد من مقالات لواء أ ح م. مسعد الششتاوى

رابط دائم: