رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

لكى تنجح تجربة الكتاب الإلكترونى فى جامعاتنا

تلقيت الكثير من الآراء وردود الفعل حول الجزء الذى خصصته فى مقال الأسبوع الماضى حول الكتاب الجامعى الإلكتروني. والفكرة تطرح نفسها بشدة فى مسار التطوير المنشود فى جامعاتنا. هناك ملاحظتان سريعتان ابتداء أولاهما أن المجلس الأعلى للجامعات أحسن صنعاً حين لم يفرض تصوّراً نمطياً معيناً يلزم به الجامعات والكليات لكنه ترك لها بحكم مبدأ الاستقلال الأكاديمى أن تنفذ الفكرة وفقاً لما تراه. والملاحظة الثانية أن كل تطوير تعليمى جديد جدير بالاحتفاء لكنه جدير أيضاً بتوفير مقومات وشروط نجاحه لكى يصبح بحق تطويراً فى الجوهر لا تغييراً فى الشكل. فنحن فى مجال التعليم وغير التعليم لا تنقصنا الأفكار بقدر ما ينقصنا تنفيذها، ولا تنقصنا الكفاءات والمواهب بقدر ما ينقصنا توظيفها.

هنا ثلاث أفكار للنقاش تعكس بشكل أو بآخر أهم ثلاثة شروط لنجاح تجربة الكتاب الإلكترونى وتتعلق بصالح العملية التعليمية، وصالح الطلاب، وصالح أعضاء هيئات التدريس.

فيما يتعلق أولاً بصالح العملية التعليمية، وهو الهدف الأسمى الذى يُفترض أن يسعى إليه الجميع، فإن الكتاب الإلكترونى لا يجب اختزاله فى تحويل الكتاب الورقى إلى كتاب رقمى بصيغة PDF سواء من خلال اسطوانة مدمجة أو منصة إلكترونية، ولكن يجب أن يتم وفقاً لتصور كامل باعتباره مصدراً علمياً متعدد الجوانب النظرية والتطبيقية مصحوبة بالوسائط الإلكترونية التوضيحية وما أكثرها. وللوصول إلى هذا التصور للكتاب الإلكترونى كان ومازال يجب أن تُعقد دورات وندوات لعرض ومناقشة كل هذه الأمور. الجامعات لم تقصّر فى عقد دورات للتعليم عن بعد على الأقل فى الجامعة التى أنتمى إليها وهى جامعة الإسكندرية، لكنى لست متأكداً مما إذا كانت هناك دورات وندوات مخصصة للكتاب الإلكترونى بخلاف ما أُرسل إلى أعضاء هيئة التدريس من أوراق وملفات لأن الاطلاع النظرى شيء والمشاركة فى دورات وندوات حية للنقاش والعصف الفكرى شيء آخر.

وكما ذكرت مراراً من قبل فإن صالح العملية التعليمية يتطلب أن يكون تطويرها، والكتاب الإلكترونى جزء من هذا التطوير، على ضوء ما تتسم به بعض الكليات والتخصصات العلمية من خصوصية. فتطوير العملية التعليمية فى كليات مثل الحقوق والآداب وعلوم السياسة والاقتصاد يختلف عن تطويرها فى كليات أخرى مثل الطب والعلوم والهندسة من حيث طبيعة المحتوى العلمي، وطرق التدريس، ونظم الامتحانات. والكتاب الإلكترونى تحديداً يجب أن يعكس هذه الخصوصية وإلا فقد يؤول به الأمر فى التخصصات القانونية وغير القانونية لأن يصبح كتاباً رقمياً تحل فيه الشاشة الإلكترونية محل الصفحة الورقية لا أكثر.

ضروريٌ أن تضطلع الأقسام العلمية والكليات وحتى ما يُعرف بلجان القطاعات العلمية التى تضم ممثلين عن أساتذة كل تخصص على المستوى الوطنى بدور مهم فى موضوع الكتاب الإلكتروني. هذه مسائل تدخل فى صلب اهتمامات الأقسام العلمية والكليات لأنها أدرى بشئونها العلمية البحتة. أما الجامعات التى تضم الواحدة منها أحياناً 25 كلية ومعهداً فيصعب أن تكون إدارتها مُلمةً بالخصوصيات العلمية لكل الكليات المختلفة التى تتبعها.

والحقيقة أن قانون تنظيم الجامعات يتيح أن تُعقد مجالس الكليات والأقسام فى صورة مؤتمر علمى لمناقشة القضايا العلمية وما يتصل بها من جوانب تطوير (المواد 50 و63 من قانون تنظيم الجامعات) بل ان المؤتمر العلمى للقسم الذى يعقد مرتين فى العام يجب أن يضم ممثلين عن الطلاب المتفوقين. وكان يمكن لهذه المجالس فى صورة مؤتمرات علمية أن تقوم بدور بالغ الأهمية فى موضوع الكتاب الإلكترونى وغيره من موضوعات علمية، ولطالما ناديت بذلك منذ سنوات.

أما فيما يتعلق بصالح الطلاب فى موضوع الكتاب الإلكترونى فقد أشرت فى مقال الأسبوع الماضى إلى التحديات التى تفرضها الظروف الاقتصادية والاجتماعية لشريحة واسعة من الطلاب قد لا تمتلك أجهزة كمبيوتر حديثة أو هواتف ذكية أو أجهزة لوحية. ليس لدينا أرقام دقيقة فى هذا الشأن لكن الأمر يمثل تحدياً جديراً بالاهتمام. لكن هناك بعداً آخر يتعلق بصالح الطلاب هو المقابل المالى الذى سيدفعه الطالب للحصول على الكتاب الإلكتروني. فالملاحظ هو وجود تفاوت واسع فيما تفرضه بعض الجامعات من رسوم مالية على الطلاب مقابل الكتاب الإلكتروني. جامعة مثل الإسكندرية بدت مدركة للبعد الاجتماعى فى القضية، والمتداول حتى هذه اللحظة أن المبلغ الذى سيدفعه الطالب مقابل حصوله على الكتاب الإلكترونى هو 300 جنيه سنوياً بينما قررت جامعات أخرى مبالغ أكثر بكثير، فقد فرضت إحدى الجامعات مثلاً دون حاجة لذكر اسمها على الطلاب رسماً مقابل الكتاب الإلكترونى بلغ 905 جنيهات عن مقررات الفرقة الواحدة، وهو مبلغ يزيد ثلاث مرات عما قررته جامعة الإسكندرية، وهو أمر يستدعى التأمل!

وأخيراً فيما يتعلق بصالح أعضاء هيئات التدريس فمن الواجب والمنطقى وجود إطار واضح ومحدّد يعرف فيه كل طرف، الأستاذ والجامعة، حقوقه والتزاماته، ويمثل تحفيزاً لأعضاء هيئة التدريس الذين يتوقف عليهم نجاح أو إخفاق التجربة. الملاحظ أن هناك جامعات بادرت بهمة بوضع عقد موّحد مع أعضاء هيئة التدريس بها يمثل إطاراً للحقوق والالتزامات المتبادلة بينهما لكن هناك جامعات أخرى لم تحسم أمرها حتى لحظة كتابة هذه السطور مما أصاب الموضوع كله بالارتباك وقد بدأت الدراسة بالفعل. هناك جامعات تركت الأمر لكلياتها مثل جامعة القاهرة حيث تمثل تجربة كلية الحقوق فيها تجربة لافتة وناجحة إذ سرعان ما وضعت عقداً نموذجياً لنشر الكتاب الإلكترونى بين كل أستاذ وإدارة الكلية ممثلة فى عميدها.

أبرز ما فى هذا العقد تحديد نسبة ما يحصل عليه الأستاذ كحق مالى لنشر مؤلفه الإلكترونى وما تحصل عليه الجامعة وقد تم الاتفاق على حصول الجامعة على 2% من إيراد نشر المؤلف الإلكترونى و15% لوزارة المالية، وكذلك تطبيق ما ينص عليه قانون الضريبة على الدخل من إعفاء إيرادات المؤلفات العلمية لأعضاء هيئات التدريس من أى ضرائب أو استقطاعات تشجيعاً لهم على البحث العلمي، ويؤكد عقد كلية حقوق القاهرة أيضاً على حماية الملكية الفكرية لمؤلفى الكتب الإلكترونية وعدم حرمانهم من طرح مؤلفاتهم الورقية للتداول. ويبدو أن نسب الاستقطاعات المالية من إيرادات الكتب الإلكترونية لأعضاء هيئة التدريس ليست واحدة فى كل الجامعات. لا أود أن أجادل فى الأمر بشأن نسب مالية لتجربة هى بالأساس والهدف وسيلة لتطوير التعليم لكن لاشك أن أحد شروط إنجاح التجربة هو خلق محفزات لأعضاء هيئة التدريس للارتقاء بمؤلفاتهم الإلكترونية وتطويرها خصوصاً بالنسبة لشباب أعضاء هيئة التدريس بالجامعات لظروف لا تخفى على أحد.

ملاحظة الختام أن الكتاب الإلكترونى لا يجب أن يقضى كلية على المراجع العلمية الأكاديمية الكبرى فى العلوم الاجتماعية والتى صنعت جزءاً من نهضة الفكر الاجتماعى وقوة مصر الناعمة فى محيطها العربي. كل الاعتبارات السابقة يجب التوفيق بينها على طريق إنجاح تجربة الكتاب الإلكترونى ودفعها قُدماً إلى الأمام لكى تطوّر نفسها بنفسها مستقبلاً.

-----------------------------

> أستاذ القانون الجنائى ــ جامعة الإسكندرية


لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم

رابط دائم: