رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مقامات الطفل

سمير المنزلاوى

كان بال السيد خطاب مشغولا بعدة مهام حين خرج من صلاة المغرب:

سيحاسب نظمى البقال ويأخذ التموين، ثم يسهر لترقيع الشباك بالمنقاش، ويشرب الشاي.

طارت خواطره المستقرة لما اقترب منه الحاج فخرى العمدة وهمس:

-حرما

دائما يراه السيد من بعيد، لأنه مسالم، حياته بين البحيرة والبيت والجامع، لم يقترب منه أبدا.

إنه أكثر قوة مما كان يظن،

يكبره على الأقل بخمس سنوات، لكنه كالوتد، منتصب ومركوز فى الأرض.

ظل قابضا على يده بحزم، فاستسلم وسار معه حتى سياج الكوبرى:

-عاوزك فى حكاية كده يا سيد

الركوبة مربوطة بجوارهما، تبحث عن شىء يؤكل، حتى يعتليها العمدة، وتتسمع خلال الانتظار على ما يقولان:

-نفسى أناسبك

- فى مين؟

- فايزة بنتك؟

جلجلت زغرودة أمها وجاء الجيران يتفحصون المحظوظة، ويفتشون عن السر الذى سيحملها إلى حى آل البهنسى، لتعيش فى قصر، وتنضم إلى الهوانم! صحيح أنها ستعيش مع ضرتين، لكنها عفية وسيحصل منها على طفله العنيد.

الضوضاء اصطدمت بالألفة اللذيذة التى تستريح إليها فايزة، فحطمتها إلى ذرات تدور فى الفراغ، وجعتلها تعانى صداعا ووحشة.

كانت قبل لحظات تمشى فى سكة سليمة، تعرف بدايتها ونهايتها.

كل كلمة من شاب فى القرية تجعل قلبها يدق، وتجلب لها رعشات فرح.

رأت جدعان القرية كلهم فى الحلم، تخجل لأنها لعبت معهم عريس وعروسة!

لا زالت لذة اللعبة مطبوعة على جدران روحها.

آخر عهدها بالشارع كان بعد أن ختنتها الغجرية.

سارت يومين منفرجة الساقين، وانغمرت فى الترعة ليرمم ماء النيل جرحها!

بعدها اختفت فى قعر الدار وصارت بحاجة إلى إذن أبيها لتسمر مع الصبايا.

يجلسن أمام البيوت أو فوق السطوح،وتمتلئ الصدور البكر بالأمانى تحت السماء والنجوم والهواء المسافر.

-شفتى الواد عباس عاوج الطاقية ازاى؟

-ربنا يجعله من نصيبك يا فايزة.

يشرقن بالضحك ويتخايلن كالزهور.

فى سريرها تتقلب طويلا، ويصطف بجوارها شباب مسكونون بالعشق.

اختارت ذات ليلة عباس.

و قضت الليلة بجواره والعزبة تغنى وترقص.

تعرف رائحته من سنوات طويلة، كل من لعب معها من الصبيان تحفظ رائحته، تستطيع أن تحدد أوقات مروره وهى فى الحجرة!

فى ليلة أخرى تزوجت مرسى.

و لم تنس شعبان وزكريا وفتحى.

حتى فكرى المتشرد انجذبت إليه:

-أنا حاسة انه بيحبنى موت،لو اتجوزته همشيه على العجين

زارها طيف فريد نظمى عدة مرات.

-لسه قدامه مشوار طويل فى المدارس

قالت لصديقاتها:

-نفسى ومنى عينى أتجوز واحد يكون أبوه وأمه عايشين!

-انتى غاوية نكد؟

سوف تتمهل فى الصباح، حتى يخرج حموها من الحمام، يصلي، فتبوس يده:

-صباح الخير يا ابا

تفعل نفس الشىء مع الحماة. تقف مملوءة بحبهما حتى يقرر الأب مصير اليوم.

-ادبحى فرخة يا بت

تصعد على السطح،وتقبض على الدجاجة الموعودة، ينفجر السطح بالصياح وتهرب البقية إلى حين.

تمسك الحلقوم ليذبحها، تخطو فوق الذبيحة لينفتح رحمها ويقبل بذرة الابن.

الدجاجة بين وركيها، تنتف الريش والزغب بالماء الساخن. تسلمها ناصعة للسيدة المتولية مهمة الطهو المقدسة!

لن تلبث رائحة اللحم المتبل بالحبهان والمستكة والفلفل أن تفوح وتدخل الدور وتحلق فى الشارع، ليتيقن الجيران أن سبب ما سمعوه من صراخ الدجاج لم يكن عرسة مهاجمة بل نية ذبح حقيقية.

تغسل الأوانى بعد الأكل وترصها وتكنس الدار ثم تجلس مع حماتها يثرثرن، الحاج فخرى عمدة البلدة من عالم الكبار.

علاقتها بهذا العالم تنحصر فى صب الماء، وتقديم الطعام والجلوس تحت الأقدام للخدمة!

تتصور عريسها شابا، يذهب إلى البحيرة،ثم يأتى ملهوفا، محترقا بالشوق، يعصرها ويفجر آبارها العميقة.

أمها ما تنفك تحدثها عن السعادة فى بيت البهنسى.

تلسعها الكلمات كلسان اللهب الطالع من جوف الفرن.

تتصارع فى قرارها همسات الصبايا وأحلام الشباب ولعبة العريس والعروسة والطواقى المعوجة فوق الجباة، والآبار العذبة العميقة.

دوامة تدور بها كالتى تراها فى الترعة عند المنحدر.

تحاول أن توقظ الطائر فى صدرها،ليرفرف بلذة كما كان يفعل، لكنه نائم، عليل، منقاره بين جناحيه!

امتلأت أحلامها بالفوضى بعد الخطوبة، فتارة تتنزه فى جنة وارفة بجوار الحاج فخرى، وتارة أخرى يحملونها مزينة معطرة، ثم يلقونها عند المقهى القديم.

يحتبس صوتها وتهاجمها أشباح قتلى معركة الصيادين والفلاحين.

كل شبح ينتزع قطعة من جسمها ويفر ناحية البحيرة.

أمها تقول:

-الكوابيس من غيرة البنات. دا العمدة أبيض ومربرب وعنيه خضرا.

ما إن حدد الحاج فخرى يوم زفافه، حتى انطلقت شياطين بهجت ابن عمه ونفثت نارها!

أقسم أن يقتل العريس المتصابى والعروسة الوضيعة.

تحركت الجمرات وتجمع الصيادون:

-هوا فاكرنا عيال، إحنا رجاله ولاد رجاله.

-يمكن نفسهم فى علقة جديدة.

السيد خطاب كان يسأل نفسه مذهولا:

-إيه العيب اللى فينا عشان يعمل كده؟

خرج من البيت وقصد دكان صبرى ليحلق ويزيح الكرب عن قلبه.

وضع له الفوطة وجامله ببضع كلمات وانطلق يحوم حول الموضوع.

لم يجد لديه قبولا للخوض فيه فاتجه إلى الجالسين ينتظرون دورهم.

حكى لهم بإسهاب ما يفعله بهجت فى يومه، ضحك بافتعال وافتخر بأنه الوحيد الذى دخل غرفة نومه.

طلب أحدهم إعادة قصة ضربه للكلاف!

انتهره السيد:

-خلى بالك هتعورنى.

كأنه لم يسمع، مثل بيديه ورجليه كيف فاجأ بهجت ذلك المسكين نائما دون إطعام البهائم، رفع كفه ممثلا وهوى بها على قفا أقرب الجالسين.

صوت الصفعة دوى وعجز الرجال عن كتمان الضحك إذ أن خليل الكلاف فقد سمعه بعدها وأصبح اسمه الأطرش!.

برم بالرجل الصامت كراعى البقر، كيف تتزوج ابنته من العمدة ابن الأصول؟ كأنه كلب مسك عضمه!

انتهز فرصة إن الراجل نفسه فى عيل.

فايزة آخرها صياد مقشف!

مل من محاورة نفسه،وولد وشيش الكلوب، صداعا فى رأسه ونقل عينيه بين الزبائن، فلم يسعفه أحدهم بكلمة، لم يجد بدا من العودة إلى الجالس أمامه يطحن الهواء غيظا، يتململ:

- طول بالك يا عم السيد.والله العظيم الحاج بهجت طيب وقلبه زى الحليب

كور الفوطة ورماها فى الأرض ومسح الصابون من فوق عارضيه:

-أنا عارف انك الخباص بتاعه

تملكته قوة الحصان فقفز إلى الشارع ومضى يدبدب بقدميه.

لم تفقد فايزة الأمل يوما فى حصولها على ولد من الحاج فخرى، عاونها فى ذلك نهداها اللذان أفرزا غذاءه مقدما.

كان هو من زرع اليقين فى عقلها، صدقته وهو يحكى لها زيارة ابنهما له فى الأحلام، ابن حي، منذور لعالم الشهادة، لأنه يضحك ويناغى، ويلقى بنفسه على صدره بعذوبة المحبوب والمرتقب، وصفه بكل تفاصيله:

حلو كملاك، أبيض، شعره كالسنابل، وعيناه مليئتان بالعسل.

وضحكته تحاكى هديل اليمام الراقد فوق أفراخه.

رغبت فى رؤيته، وراوغها طويلا، وكانت تراقب الزوج وهو نائم يحرك شفتيه، يهمس لها قلبها أن الولد معه الآن.

تود أن تدخل الحلم وترى ذلك الشقى البعيد.

أخيرا زارها وكانت نائمة مضطربة، تتقلب، رأته يمشى بصعوبة، ويكاد يتعثر. كانت فى غيط واسع، أسندته، لكنه تملص، ولدهشتها جرى فى قلب الزرع.

عندما أولاها ظهره، هبت توقظ الحاج:

-اصحى، الولد جانى فى المنام.

قام مستويا على السرير:

-عجبك؟

-اللهم صلى على النبي، قمر أربعتاشر. خايفه ما يكونش من نصيبى

-أنا عارف من قبل الجواز إنى هخلف منك

يلجأ إلى ربه ليقرب البعيد:

-رب لا تذرنى فردا وأنت خير الوارثين

يأخذها إلى الحديقة، يدوس على الصور التى يرصها الشيطان ويضع رأسها على فخذه. تلبسها روح الولد، فتغمض عينيها، وتتنفس السعادة والدفء، تريده أن يمر بأصابعه القصيرة الطرية فى مسارب شعرها، لتحلم، وتضحك، وتحكم وضع ذراعيها حول رقبته. يتوحد معها فى شعورها، ويشحن أصابعه بكل حنانه المختزن.

تفهم الآن مواء القطط البعيدة، ونباح الكلاب، وثغاءالشياه، وزقزقة الطيور.

-تعالى نتمشى شويه لا تنتهى ذكرياته عن الأرض والشجر.

-الجوافة دى زرعها عمك العمدة زكريا. بناتى زى السكر

البرتقان بتاع أرض بهنسى ملس، متلاقيش زيه فى الجهة برتقان أصلى، شتلاته من يافا، إنما البرتقان التانى مطعوم على لارنج علمها الكثير.

الصلاة والدعاء والحلب والحنان وتعتيق الجبن وترقيد الزبد والسمن والمورته حدثها عن أنبياء عانوا العقم، ولم ييأسوا، استمروا يناجون الله، فاستمع إليهم ومنحهم أطفالا موعودين بالرسالة.

حين يكونان فى الحقل ينسى الطعام والشراب، وتستعيده بصعوبة:

-قوم عشان نتعشى

-إحنا لسه واكلين

-من ساعة الغدا

-ياااه، الوقت بيمر.

يعودان، لتستقبلهما أربع عيون متحفزة.

كان الحاج فخرى عند نظمى البقال، وضرتاها مشغولتان فى الثرثرة بينما تقوم الخادمات بالطهو فى المطبخ الواسع!

فضفضت لأمها بالحلم والولد المعاند واليقين الذى زرعه فيها الزوج الطيب!

-لازم تخافى، عشان الولد ينزل بيته

-أعمل إيه؟

-تروحى الجبانة ساعة صلاة الجمعة، ترقدى فى النعش، وبعدين تستحمى وترجعى!

وهل يطيعها قلبها أن ترعبه بمثل تلك المشاهد الرهيبة؟

لكنها طمأنتها:

-مش هيشوف حاجة، انتى اللى هتشوفى وهوا يحس بخوفك لم تستأذن الحاج، لعلمها برفضه لمثل هذه الأمور، لم يعد لديها صبر!

ستجلب الولد، ولو رغما عنه.

ليخف قليلا، لا بأس، فسوف تهدهده وتملأ وجهه الملائكى قبلا، وستضعه على حجرها وتحكى له حواديت!

طلبت من أمها أن تصاحبها، لكنها رفضت، فالطقس يحتاج التفرد والوحشة.

الرعب يعصر قلبها وهى فى قلب النعش، الآلة التى تجفل منها طول عمرها!

تحتها أعواد من القش، ورائحة غائط تهاجمها بضراوة. قامت واحتمت بقبر الشيخ غانم الذى يعالجون القروح بتراب من جداره، خلعت ملابسها، قطعة قطعة وكومتها.

المارة نادرون، فنحن فى وقت الجمعة، عليها أن تنتهى قبل عودتهم, الماء يسقط من الكوز فوق تعرجات الجسد العفى، تنتصب الحلمات، وتحلبان غذاء الولد المراوغ.

تقعى خلف الشاهد وتشهق من برودة الماء، ثم ترفع رأسها فتلتقى بعينين وحشيتين تتلصصان، حاولت الصراخ، فلم يخرج!

أسعفتها الغريزة، فسترت عورتها بيديها.

كانت عينا (فكرى) المتشرد، كعينى ذئب تبرقان بالشهوة والشراسة، قرأت فيهما إصرارا بدائيا قاتلا.

من أعماقها طفر شعور بالقوة، تذكرت الأنبياء وأولياء الله الصالحين والحاج فخرى الحنون، ارتفعت يدها مليئة بتراب ناعم، واستترت بالثانية، وبينما يتقدم مزمجرا، وحيوانيا إلى النخاع، حشت عينيه فصرخ وعوى من شدة الألم الحارق.

جثا فى الأرض، فلملمت ملابسها، لبست القطعة الصغيرة وهى تجرى كغزالة فارة، فالقميص. فالجلباب البيتى.

دخلت حقل الذرة العالية، تنظر خلفها فلا تجد له أثرا، تتمهل وتعود إلى الدار أقل وجيبًا.

بعد دقائق انطلقت الأرجل تطحن التراب، ووصل الحاج فخرى يحمل بطيخة على الركوبة.

وضعت سرها فى أعماق قلبها. وكرت الأيام، ولم يغرقها الدم.

لما سألها ابتسمت لأول مرة فقفز وحاول رفعها، ابتعدت وأشارت إلى بطنها فهتف:

-أحمدك يا رب.

لم يعودا يريان الولد فى المنام، فقد ذعر من رقدة النعش ودخل رحم أمه.

فى إحدى جلسات الحديقة وهى نائمة على فخذه قالت له:

-نفسى أسمى الولد الشحات عشان يعيش ملأتها الدهشة عندما ألصق فمه بأذنها وهمس:

-معلهش يا فايزة، هسميه بهجت.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق