رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

"العصف والريحان".. سيرة ومسيرة بين السياسة والثقافة

مصطفى سامى
سلماوي يتوسط يوسف إدريس وفاروق حسني وبهيرة مختار

أتى كتاب «العصف والريحان»، الصادر أخيرا عن دار الكرمة، ليتضمن الجزء الثانى من مذكرات الكاتب والمؤلف المسرحى والصحفى والمثقف رفيع المستوى محمد سلماوى ويعرض علينا الجانب الآخر من الصورة . الجزء الأول بعنوان «يوما أو بعض يوم» الذى صدر منذ أربع سنوات، تناول الحياة الشخصية لسلماوى .الجزء الثانى من المذكرات يشرح لنا الجانب الثقافى والسياسى ، ويكشف لنا أمورا جديدة فى علاقاته المحلية والدولية ، ويقدم لنا صورة أخرى من وزير الثقافة فاروق حسنى خلال حكم حسنى مبارك ، الذى اقترب منه سلماوى بعد أن اختاره وكيلا لوزارة الثقافة للعلاقات الثقافية الخارجية.

اقتحم سلماوى المجال الثقافى من بوابة المسرح ، وأقول «اقتحم » لأنه جاء فى عصر شهد طفرة هائلة للمسرح المصرى وأساتذة كبارًا أمثال نعمان عاشور وسعدالدين وهبة ولطفى الخولى وألفريد فرج وسمير سرحان وغيرهم ، لكن سلماوى بموهبته وقف إلى جانب العمالقة . غلاف «العصف والريحان» يعكس جانبا مهما فى شخصية سلماوى وبنائه الثقافى . سلماوى تظهر صورته على الغلاف بقبعة يرتديها الأوروبيون فى العادة، لكن عندنا فى مصر يضعها قلة قليلة من المصريين ـ لزوم الشياكة ـ خاصة فى فصل الشتاء اتقاء البرد . الصورة بمعطفه وكوفيته وقبعته تعكس انفتاح سلماوى على الثقافات والمعتقدات المختلفة ، وإيمانه بالعالمية الانسانية وليست العولمة .

أدعى أننى واحد من القلائل بالأهرام الذى عرف سلماوى عن قرب، هو ابن أسرة إقطاعية موسرة ، لكنه وقف ضد الإقطاع . أدعى أيضا أنه بمواهبه المتعددة وجهوده حقق بسرعة الجانب الأكبر من أحلامه وإنجازاته الثقافية ، وأن العائلة انتهى دورها بعد أن دخل معترك الحياة فى الجامعة ثم الأهرام . وقد بدأ مسيرته الصحفية من قسم الأخبار الخارجية، وأعتقد أن موهبته بالأدب طغت على الصحافة ، لكن السياسة والدفاع عن المظلومين كانت تيمة معظم أعماله كما كانت واضحة وترافقنا فى كل صفحات الكتاب .


جذبت سلماوى قرارات عبدالناصرالاشتراكية فى السعى لتحقيق العدالة الاجتماعية بين طبقات المجتمع . جذبته عندما بلغ سن الشباب وهو يطرق باب الأهرام فى أواخر الستينيات حيث التقى الأستاذ محمد حسنين هيكل وبلا شك فى البداية اقتنع بصكوك الأستاذ الخاصة بتذويب الفوارق بين الطبقات وإيمانه بالحريات ، لكن سلماوى لم ينخرط ككثير من الصحفيين فى التنظيم الطليعى ولا هيئة التحرير، وبعد عبد الناصر ظل مستقلا فى قراره وفى آرائه. انعكس ذلك على سلوكه وعلاقاته بالسياسيين والمثقفين وعلى كتاباته بالمسرح والقصة القصيرة والشعر .

سلماوى يبدأ الجزء الثانى من مذكراته بقصة قصيرة تدور حول حادث كانت له انطباعاته الحزينة على كل المصريين وشغل مساحة كبيرة فى أجهزة الاعلام: « فاض به الكيل ولم يتحمل أكثر من ذلك ، فذهب وألقى بنفسه فى النيل حتى يضع حدا لهذا العذاب الذى لاينتهى » . شعر الشاب كمعظم المصريين بالاغتراب فى مجتمع الانفتاح الاقتصادى الذى نِشأ فى سبعينيات القرن الماضى تحت حكم أنور السادات ، فسياسات السادات الخارجية والداخلية قضت على المكاسب التى حققتها ثورة يوليو للطبقات الكادحة . ويذكرنا سلماوى بقرارات اعتقال السادات للسياسيين والمثقفين والكتاب المعارضين لسياساته ثم يذكرنا بقراره فصل نحو سبعين صحفيا معارضا ونقلهم لأعمال غير صحفية وكان من بينهم سلماوى.

مسرحيات سلماوى كلها كانت انتقادا للظلم الفادح الذى وقع على المصريين ، وكانت تعبيرا واضحا على المناخ السياسى الكئيب الذى عشناه فى تلك الفترة . لكنهم لم يتركوا سلماوى يكتب ويناقش وينتقد الأخطاء . فصل سلماوى من عمله الصحفى فى أعوام 1973 و 1977 و 1981، واعتقل عام 1977 لأنه ساند مع ملايين المصريين انتفاضة الخبز كانت مسرحية سلماوى الرابعة «القاتل خارج السجن» عملا فنيا ووطنيا على أعلى مستوى، وقد كتب عنها سعد أردش الذى أخرجها للمسرح مقدمة قال فيها «إنها دعوة صريحة للحل الجماعى فبطل المسرحية يدعونا لأن نتكاتف ونتكافل فى سبيل تحقيق إرادتنا وأمننا وسلامنا من جبروت ذلك القاتل الذى يتحرك بحرية خارج السجن » . وشهادات أخرى كثيرة لكبار نقاد المسرح تؤكد كلها أننا أمام كاتب مسرحى وأديب ذي موهبة كبيرة وكاتب وطنى يعبر عن معاناة وأحلام المصريين .

تجذب مسرحيات سلماوى أى قارئ للتعرف عليه عن قرب وقد شغلت أكثر من نصف صفحات الكتاب، مسرحية «سالومى» تحديدا أثارت ضجة سياسية وفنية كبيرة بعد أن اعترضت عليها إسرائيل وطالبت بمنعها ثم اعترض عليها الأزهر. كان سلماوى قد استعار أسطورة سالومى كما كتبها أوسكار وايلد ، لكنه ألبسها ثوبا سياسيا، فقد رأى أن وقائع القصة كما وردت فى الكتاب المقدس قد حدثت فيما هو الآن الضفة الغربية المحتلة. فاعترضت إسرائيل على المسرحية وقالت إنها معادية لها . لكن المؤلف التقى وزير الخارجية عصمت عبدالمجيد وشرح له البعد التاريخى للمسرحية ورفض حذف أي عبارة منها . الدكتور سيد طنطاوى مفتى الديار المصرية بذلك الوقت طالب بوقف المسرحية اعتمادا على قرار الأزهر منع تصوير الأنبياء بالأعمال الفنية، ولما كان يوحنا المعمدان فى قصة «سالومى» هو مانعرفه فى الاسلام بالنبى يحيى فان تقديمه كأحد الشخصيات بالمسرحية يتنافى مع قرار الأزهر ، وبعد مفاوضات ومداولات مع الأزهر ومع الرقابة سمح بعرضها على الجمهور ولاقت نجاحا كبير لدرجة إعادة عرضها مرتين بعد إنتهاء موعد حفلاتها .

يحكى لنا سلماوى عن اختيار فاروق حسنى وزير الثقافة له وكيلا للوزارة للعلاقات الثقافية ، ولم تكن هناك معرفة سابقة بين الوزير وسلماوى ، لكن الوزير تابع نشاطه الثقافى وعلاقاته الخارجية وأعماله الأدبية، وقد اعتذر سلماوى فى البداية عن قبول المنصب لكن حسنى مارس ضغوطا عليه . حقق سلماوى خلال عمله انجازات ثقافية شهد لها غالبية العاملين فى وزارة الثقافة لكنه استقال بعد أربعة سنوات وعاد الى الأهرام وواصل كتاباته المسرحية ومشكلاته مع كل عمل مسرحى.

فى عام 2005 فاز سلماوى بعضوية اتحاد الكتاب بأغلبية كبيرة رئيسا لاتحاد الكتاب بناء على طلب كثير من المثقفين ، ونشر الأهرام باليوم التالى الخبر تحت عنوان: «رئيس اتحاد الكتاب من بين كتاب الأهرام للمرة الخامسة» أما كتاب الأهرام الذين حصلوا على هذا المنصب قبل سلماوى فكانوا توفيق الحكيم ويوسف السباعى وثروة أباظة وسعدالدين وهبة .

يحكى سلماوى عن ثورة 25 يناير 2011 واصفا إياها بكونها « ثورة شعبية قدر لها أن تغير وجه الحياة فى البلاد وتبدأ مرحلة جديدة فى تاريخ مصر الحديث» . تناول بعد ذلك خطط الاخوان وبعدهم السلفيون للانقضاض على الثورة ، وقد غيروا مواقعهم بعد أن أعلنوا عدم مشاركتهم فى مظاهرات الثورة ونزلوا الميدان طامعين فى ثمارها . كان موقف اتحاد الكتاب مساندا تماما للثورة وشارك بها أعضاء الاتحاد.

كان سلماوى من المثقفين الذين يعانون من المناخ السياسى الكئيب بالسنوات الأخيرة من حكم مبارك وقد أصدر قبل ثورة 25 يناير بأسابيع قليلة رواية « أجنحة الفراشة » التى انتهت أحداثها بقيام ثورة كبرى فى ميدان التحرير يقودها الشباب مستخدمين وسائط الاتصال الحديثة ، وانضم اليهم بقية فئات الشعب . نجحت الرواية وانتشرت وطبع منها ست طبعات . الفصول الأخيرة من الكتاب تضمنت جانبا من مؤامرات الإخوان خلال عام حكمهم الأسود وسعيهم لأخونة كل مؤسسات الدولة ، ثم ثورة شعب مصر بكل فئاته فى 30 يونيو ضد حكم الاخوان ، والدور الخبيث الذى لعبته الحكومة الأمريكية من أجل وصول الإخوان إلى الحكم ، وهى تفاصيل بالغة الأهمية لأى سياسى أو باحث يسعى لأن يتعرف على حقيقة الأحداث خلال تلك الفترة .

يقودنا سلماوى فى مسيرته الى تشكيل لجنة الدستورالجديد الذى ضم بناء على طلب المثقفين كل فئات الشعب ، ثم اختياره متحدثا رسميا باسم اللجنة ، وكان لزاما عليه عقد مؤتمر صحفى كل يوم يشرح فيه للصحفيين مناقشات واقتراحات أعضاء اللجنة . ربما لا تتسع المساحة لكتابة المزيد ولكننى بالنهاية أوصى بأن يتابع المثقفون والصحفيون الجدد مسيرة محمد سلماوى المضيئة فهو واحد من شرفاء وفرسان الثقافة والصحافة أيضا .

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق