رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

من أين نبدأ بحثنا العلمى ونظامنا التعليمى؟

فى مقاله الرصين الذى عرض فيه الدكتور على الدين هلال، أستاذ العلوم السياسية، والكاتب المعروف، لقضية المنهج البحثى فى كتابنا الصادر عن مكتبة الاسكندرية: الإسهام العربى المعاصر فى الثقافة العالمية: حوار عربى ــ غربى (الأهرام اليومى بتاريخ 12 سبتمبر الماضى) كان بحكم اهتمامه بنظريات التفاعل بين الثقافات، الأقرب للتعرف على صلب القضية المنهجية التى يطرحها هذا الكتاب ويبرهن عليها من خلال دراسات ميدانية فى خمسة تخصصات ممثلة لجميع فروع المعرفة الحديثة: فى العلوم الطبيعية، والعلوم الاجتماعية، وفى التنظير للفن (العمارة نموذجا)، وفى العلاقة التى مازالت ملتبسة بين الأدب العربى المعاصر والأدب العالمى . ولعل تعدد التخصصات فى هذا الكتاب جعل البعض يهاب قراءته لأنه يتجاوز تخصصه ليمتد لفروع أخرى فى المعرفة، إلا أن قراءته فى غاية اليسر لأى مهتم بحق بالتعرف على القضية التى يطرحها الكتاب، والتى تناقض السائد فى معظم أذهان مواطنينا بأننا نتعيش على مجرد استهلاك ، وإعادة إنتاج ما ينتجه الآخرون من معارف وحلول. واللافت أن واقعنا الإنتاجى فى المناطق النائية عن الحضر بخاصة، ينفى هذه الأفكار السائدة لدى المتعلمين فى معاهدنا الدراسية. فعندما ذهب الدكتور حامد الموصلى، أستاذ هندسة الإنتاج، بجامعة عين شمس، على رأس وفد من أساتذة جامعاتنا فى مختلف التخصصات لتطوير مجتمع ناء بالساحل الشمالى، كان المعلم الهادى والمصوب لهؤلاء جميعا، شاب أمى لا يعدو السابعة عشرة من عمره، من أبناء تلك المنطقة النائية، وهو وإن كان لم يتردد على أي مدرسة، ولم يعرف القراءة والكتابة، لكنه كان خبيرا بكل صغيرة وكبيرة فى مجتمعه المحلى. كان يصحح معارف أساتذة الجامعة الوافدين لتطوير مجتمعه، بأن يحدد لهم مدى عمق البئر المحفورة حتى تنبع منها مياه نقية تصلح للاستخدام الآدمى، (وهو المفروض أن يبنى عليه مدرسيا فى علم الجيولوجيا مثلا ، بدلا من الادعاء بأنه لا يوجد لدينا أى تراث فى معرفتنا بطبقات الأرض، ومن ثم لابد لنا أن نبدأ من الخارج، معتمدين عليه فى التعرف على واقعنا فى هذا المجال. هذا لايعنى بحال أن نقاطع آخر ما وصلت إليه البشرية من معارف وتقنيات، لكن السؤال هنا: من أين نبدأ؟). ففى علم النبات مثلا، كان هذا الصبى معلما لأساتذة هذا العلم فى جامعاتنا، بتعريفه لكل من أنواع النباتات الطبية وغير الطبية التى يستخدمها أهالى تلك المنطقة فى مختلف أغراض حياتهم اليومية. أفلا يقتضى ذلك منا أن نخطط للتعليم والبحث العلمى فى بلادنا بحيث يبدأ من هنا: من الانتماء لمجتمعاتنا المحلية، وتراثات تفاعلها مع الطبيعة لإشباع احتياجاتها، بحيث يكون انفتاحها على آخر ما توصلت إليه العلوم الحديثة نابعا من هذا المنطلق: تطوير حلولها المحلية بغرض إشباع أفضل لاحتياجاتها ، وليس التحاقا بأي حلول وافدة من خارجها، الأمر الذى لا يقتصر على بث روح الاعتزاز بالذات، وإنما يعزز فى ذات الوقت القدرات الذاتية فى الإضافة لحلول الآخرين، والإبداع فى اكتشاف سبل وحلول أقل تكلفة وجهدا ومحصولا من تلك التى توصل إليها سواهم. فنحن فى سياستنا التعليمية الحديثة نطالب الطالب - مثلا- بأن يكون مبدعا فى تناوله للمعلومات المدرسية، لكننا لا نحثه على أن يبدأ من خبرات مجتمعه القيمدرسية، كى ينهض إبداعه على انتمائه الأصيل لموطنه، وهو ما يقتضى منا إعادة النظر فى سياساتنا البحثية والتعليمية حتى نحقق ما نصبو إليه من تقدم حقيقى. وهو ما يطرح علينا السؤال: فيم إذن نتكبد كل ذلك الجهد لتعليم أولادنا؟ ألكى يبتعدوا عن مجتمعات كل منهم، ويتوحدوا بقيم الحداثة الغربية البعيدة عنها، بل ويثابون على ذلك التباعد بأن يتقاضوا ما يسمح لهم باستهلاك أضعاف ما يسمح به لمن يقوم على خدمة المجتمع فى صميم احتياجاته، وفى مقدمتها إنتاج الغذاء متمثلا فى الزراعة. عندما علق بيتر هولتسر، أستاذ علوم الدواء فى جامعة جراتس الطبية فى النمسا على بحث الدكتور محمد رؤوف حامد ، أستاذ علم الأدوية بالمركز القومى لبحوث الدواء بالقاهرة ، مشبها إياه فى كتابنا باسحق الرهاوى (854-931) صاحب كتاب: أدب الطبيب، الذى يعد علامة مضيئة فى تاريخ العلم، كان فى الحقيقة يحسد عالمنا المصرى المعاصر على توجهه لإعادة النظر فى المعايير الغربية للدواء ابتداء من عادات استهلاك الطعام فى المجتمع الليبى، وحيث تبين أن منهجه البحثى هذا قد أفضى به فى جامعة الفاتح الليبية التى كان يعمل بها ، لعكس ما تعارفت عليه علوم الدواء فى الغرب، من أن مادة الكابسايسين ( الشطه الحارة فى المطبخ الليبى) تساعد بتناولها بانتظام مع كل وجبة ، على الوقاية من قرحة الأمعاء والمعدة، بعكس ما نصت عليه إدارة الدواء والغذاء الأمريكية، ذات الانتشارالعولمى، من أنها تحدث تلك القرحة، عندما كان بيتر هولتسر، يقوم بهذا التشبيه بين حاضرنا فى هذا البحث الميدانى فى كتابنا، وماضينا العلمى الذى كان نبراسا للغرب ينهل منه معارفه العلمية، كان فى قرارة نفسه يحسدنا على توجهنا البحثى الذى يهدف لتحقيق وحدة المعرفة فى هذا الكتاب، إذ يشكل فصل علوم الطبيعة عن علوم الإنسان فى جامعته الطبية على سبيل المثال، نكوصا عن تراث العلم فى الجامعات الغربية ذاتها، مع تقدم آليات السوق فى الهيمنة على مصير الشعوب. لكن الطريف، أننا صرنا نسعى فى بلادنا لمحاكاة ذلك التقدم الغربى فى مسعاه لإشباع احتياجات السوق بانفصالها عن المنتج وعن المستهلك، ومن ثم عن الإنسان . وقد يتصور البعض أن هذا قدرنا، لكن ذلك الموقف لا يتفق مع حقيقة أن الإنسان هو الذى صنع بجشعه هذه المأساة، وهو من ثم قادر على تجاوزها إلى حلول وتوجهات أكثر تحقيقا لإنسانيته .وقد سبقتنا بعض الأقطار إلى ذلك بالتركيز على رفع الفروق فى الخدمات والاستثمارات بين العواصم والأقاليم، والتركيز على تطوير مجتمعاتها المحلية من داخلها قبل الانفتاح على السوق الدولية، وقد حققت فى ذلك شوطا كبيرا جعلها فى طليعة الاقتصاد العالمى.


لمزيد من مقالات د.مجدى يوسف

رابط دائم: