رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

إبراهيم عبد المجيد

لا أكاد أصدق أن أيا من أجهزة الدولة المعنية لم تهتم بالأزمة الصحية الأليمة التى يمر بها الآن أحد كبار الروائيين المصريين المعاصرين، وهو إبراهيم عبد المجيد صاحب أكثر من ٢٠ رواية من أهم الروايات فى المكتبة العربية: بيت الياسمين، لا أحد ينام فى الإسكندرية، البلدة الأخرى، الإسكندرية فى غيمة، وغيرها، بالإضافة إلى مجموعاته القصصية الخمس المتميزة، والذى وصل فى معاناته إلى حد أن أصبح شبه مقعد لا يتحرك إلا بمعاونة آخرين وفى حدود ضيقة، بينما كان يملأ الدنيا حركة ونشاطا ويوجد فى معظم المناسبات الثقافية على مدى السنين الماضية. هل معقول فى الوقت الذى تظهر فيه الدولة اهتماما ملحوظا بكل من يرفع اسم مصر عاليا فى المحافل الدولية من الرياضيين والفنانين أن يتم تجاهل الكتاب إلى هذا الحد؟ إن إبراهيم عبد المجيد كاتب كبير شاهدت بنفسى ترجمات أعماله الأدبية فى المكتبات الأجنبية بالإنجليزية والفرنسية والألمانية وغيرها، وشعرت بالفخر والاعتزاز. إن وصول أحد أبطالنا الرياضيين إلى بطولة دولية يؤكد للعالم تفوقنا الذى نعتز به، لكنه للأسف تفوق مرتبط بفترة البطولة التى سرعان ما تنقضى ويفوز بنفس التفوق بطل غير مصرى فى العام التالى، أما الكتاب المترجم فهو إنجاز طويل المدى كالحسنة الجارية يقرؤه الآلاف من القراء جيلا وراء جيل، ومن ثم فتأثيره ممتد عبر السنين، يسهم مع كل قراءة جديدة فى إسقاط الصورة النمطية التى كثيرا ما عانينا منها فى الخارج كأمة متخلفة تعج بالجهل والفقر والعنف باسم الدين. إن رواية واحدة مترجمة تظهر للعالم الثقافة الرفيعة التى تتسم بها أمتنا، والثراء التاريخى الممتد عبر القرون والذى يثمر كل يوم أعمالا أدبية حديثة تلفت نظر الأوساط الأدبية والثقافية فى العالم كلما تمت ترجمة إحداها.

صحيح أن الاهتمام بقوتنا الناعمة لا يتوقف عند الرياضيين وحدهم، فقد وجدنا الدولة أخيرا تشمل الفنانين بشبكة تأمين صحى يستحقونه بلا شك، فهؤلاء هم من جعلوا حياتهم شمعة مضيئة تنير حياتنا بالبهجة والسمو النفسى، لكنى أرى الأدباء قد سقطوا سقوطا معيبا من أولويات ذلك الاهتمام، بينما هم طليعة القوى الناعمة المصرية، فهم ضمير الأمة، وهم عقلها المفكر، وهم عنوان الثقافة الوطنية. إن المثقفين وفى طليعتهم الكتاب هم بناة الحضارة على مر التاريخ المصرى، فقد شيدت مصر حضارتها على مر العصور بفكرهم وفنهم وأدبهم ومعمارهم، واليوم هم القوة الضاربة لمصر فى مواجهة التطرف والإرهاب، وهم صانعو النهضة التى نتطلع إليها، فلم يعرف التاريخ فترة نهضة وازدهار إلا وكانت النهضة الثقافية فى القلب منها. لقد تألمت أشد الألم وأنا أطالع مقالا كتبه أخيرا إبراهيم عبد المجيد بعنوان: قد لا يهم أحدا، ورد فيه ما يلى: أعتذر مقدما لأنى سأتحدث عن نفسى. قد لا يهم ذلك أحدا، لكنى سأحاول أن أخرج من الخاص إلى العام بقدر ما أستطيع. منذ أكثر من عامين أحسست بأن ركبتى اليمنى تخذلنى وأكاد أقع، ولن أحكى أكثر فقد مضى الآن أكثر من عامين ذهبت فيهما لأكثر من طبيب، ووقعت فكُسِرت ساقى مرة وخضعت للتجبيس إلى أن شفيت، فبدأت العلاج الطبيعى ولا فائدة. توقفت بعد عام يائسا كارها لكل الأدوية. صرت بعد أن كنت أمشى مستندا على عكاز واحد، أمشى مستندا على مشاية بعكازين ولدقائق قليلة لا تزيد على خمس، وتوقفت عن زيارة الأطباء. ألفت البيت وصرت حبيس ثلاثة محابس. الكورونا فى الخارج، وعدم القدرة على الحركة فى الداخل، وضعف شبكة الإنترنت فى المنطقة. صارت الشرفة هى عالمى، وهيأت نفسى للحياة على هذا النحو. وأزادت الأحداث حولى من اغترابى فى هذا الزمن، وشعرت أنه ليس ما كنت أتمنى وأن الرحيل عنه أفضل. فجأة قررت أن أعاود الكرة. مللت الاستسلام أيضا بعد عامين منه، فعاودت زيارة الأطباء ومراكز العلاج الطبيعى ومعامل التحاليل والأشعة حتى دخل جسمى من الأشعة ما يمكن أن يكون قد دخل أجساد ضحايا هيروشيما، وانتهى الأمر إلى وجود ورم فى إحدى فقرات العمود الفقرى وحولها. الآن أنا بصدد إجراء جراحة كبيرة، ووجدت نفسى مشغولا بلم شعثى من مقالات وأعمال أدبية ورواية لم تكتمل قبل أقصى ما يمكن تصوره، وهو الرحيل الذى لا يزعجنى أبدا، فأكثر من عرفتهم سبقونى إليه. على قناعة أنا من زمان إن العالم يمضى ولا يقف عند أحد. بعد متعة الكتابة التى أخذتها أشعر بالرضا والامتنان لله الذى خصنى بالموهبة. وهل بعد أن خصك الله بأجمل شيء تقلق إذا ذهبت إليه؟ أيها الروائى المبدع إبراهيم عبد المجيد دعنى أختلف معك. هذا ليس موضوعا شخصيا. إن رعاية طلائع قوتنا الناعمة من الأدباء والكتاب هى قضية عامة، بل أكاد أقول إنها قضية أمن قومى، فالأدباء هم حماة الهوية الثقافية، ورعايتهم هى رعاية لتلك الهوية التى لن تقوم لنا قائمة دون أن ننهض بها.

[email protected]
لمزيد من مقالات محمد سلماوى

رابط دائم: