رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

وليــد مـنير.. الشاعـر لا يمــوت

أسامة مهران

«ناوشتنى سيوف الأغانى
وقرون الغزالات حين اختفت فى البعيد
ناوشتنى مراعى النخيل
والبحار التى هاجرت فى ضفاف الزمان السعيد
ها دمى فى الجهات جميلٌ جميلْ»


‎هكذا كان يكتب وليد منير «1957-2009» منشدا بأعلى صوته فى حقول الصهيل وأنا أقف بجواره فى شرفة بيته بشارع رمسيس، وكل منا يتطلع إلى الشارع العميق، إلى بهلوان يعبر ولا يبالى بجنون السرعة، ولا بصراع السيارات المهيمن على الطريق، كنا ننظر إلى أفقٍ بات يشحذ الهمم بدلًا من أن يُكسر مجاديف قواربنا المنكسرة، واملنا المضطرب، وطموحنا البوهيمى الوليد، إنه وليد منير الذى احتضن انكساراتى فى المهد، وقام بصياغة أحلامى البعيدة بين الأصحاب ورفقاء الدرب والقصيدة.

‎قبل العام 1982، كان من المفترض ألا يكون وليد منير شاعر اللحظة وعرّاب الجيل، إنما ناقده المهيمن على التجربة، ومفكره الذى يتولى بنفسه إخراج الجموع من قوقعة «أدونيس».ولكنه لمع كأحد الشعراء المؤثرين فى تجربة شعر السبعينيات، وأحد المشاركين فى تطوير القصيدة العربية الحديثة،كان يهرب دائماً بالشعر إلى أصدقائه الشعراء القدامى والمتصوفة والفلاسفة وإلى الحضارات القديمة ليستظل بظلها بعيداً عن العالم الجديد بصلفه وخشونته.

‎ بدأ وليد منير رحلة الكتابة عن تجارب المبدعين، تحدث عن شعراء السبعينيات فى مصر، وكيف أنهم شقوا جدارًا فى حاجز شاهق، وعبروا من ثقب إبرة إلى الأصنام ومعابدها، وإلى الآلهة الصغيرة والأنبياء المتوجين، ثم إلى الفراعنة الجدد وهم يتسلحون بالبطولات الأيديولوجية، والمعارك الفكرية، والإنجازات التى لم تتجاوز كونها أحبارًا على ورق، وأسرارًا غير كاتمة للأصوات.

‎أصدر وليد منير المولود بالقاهرة عام 1957 بعد حصوله على بكالوريوس الهندسة 10 دواوين شعرية هى بالترتيب «الرعوى الذى فاجأ السهل، النيل أخضر فى العيون، قصائد البعيد البعيد، بعض الوقت لدهشة صغيرة، قيثارة واحدة وأكثر من عازف، هذا دمى وهذا قرنفلى، سيرة اليد، طعم قديم للحلم، كمشكاة فيها مصباح، وآخرها الروح تعزف الموسيقى». بالإضافة لمسرحه الشعرى «حفل لتتويج الدهشة» و»شهر زاد تدعو العاشق للرقص»، وغيرها من المتابعات النقدية والكتابات حول العديد من أحبائه الشعراء عن محمود درويش وأدونيس وسعدى يوسف.

‎درس وليد منير النقد الفنى وحصل على الدكتوراه فى مسرح صلاح ‎عبدالصبور وعمل استاذا للنقد لكنه قرر أن يضع شعره فى قالب خاص جدا ويتحدث من خلاله لكل من يرغب فى زيارته كل حين، أو من يحج إليه

‎ يقول:

«سنتان منذ أتى

‎إلى هذى الحديقة فى قيود الأسرِ

‎فاختلطت عليه الكائنات

‎رأى الحياة تضيق

‎حتى أصبحت قفصًا

‎وكوكبة الظلال تضيع من عينيه

‎من يتذكر الآن المدى

‎دفق المياه على الصخور

‎تشابك الأغصان فى فوضى الرياح»

‎فى ليلة السابع عشر من نوفمبر 1982، كنت قد ألقيت سلامًا سريعًا على سلالم مبنى صحيفة الأهرام قبل أن أودعها لآخر مرة، فإذا بصوت نجاة الصغيرة يقتحم نافذة مفتوحة بالطابق الرابع وهى تشدو بإحدى روائعها «يا هاجر بحبك وتعمل عمايل»، فإذا بالدموع تختلط بآخر الخطا، والأقدام بأحر «التعازى»، والصولات والجولات بنهايات الأشياء.

‎ودعت فى الطريق الشاعر الراحل رفعت سلام بعد أن ألقيت عليه آخر قصائدى، ثم اخترت أن يكون نهاية المطاف حاملًا أحلى الذكريات مع وليد منير، ذهبت إليه فى منزله، طرقت الباب، طرقة واحدة، كان يتوقعنى، ويعلم أننى سأغادر بعد أقل من ليلة، عانقنى مبتسمًا، اصطحبنى إلى غرفة نومه التى كانت غرفة مكتبه فيه يقرأ ويكتب ويتأمل ويبكى على وسادته الخالية، جلست معه نتحدث عن السفر، عن السبب، عن إمكانية التراجع فى اللحظات الأخيرة، وعن الذهاب بلا عودة، لكنه قرأ فى عيونى تلك اللمعة المغادرة إلى حيث لا تراجع، وتلك الدمعة المستقرة على أحباء قد لا ألتقيهم ثانية.

‎فى الإجازات لا بد من لقاء وليد منير، والحوار عن الشعر والتجربة، يشاركنا فى ذلك الشاعر الراحل محمود نسيم، عن التجارب، عن إضاءة، عن أصوات، وعن الحديث عما جرى لشعراء السبعينيات وهم يتقدمون ببروز فائق فى عقدى الثمانينيات والتسعينيات،

‎ كان وليد منير مهندسًا يجيد الرسم بالكلمات ويملك مسحة صوفية وكثيراً ما يفتتح دواوينه وقصائده بأقوال وحكم وأشعار، الحلاج وأبو يزيد البسطامى، وطاغور ولوركا والنفرى، ‎وفجأة رحل وليد منير فى شرخ الشباب وعمره 52 عاما فقط وترك خلفه من الذكريات والشعر ما لا يمكن أن نضمه إلى ملف الراحلين، فأمثال «الوليد» لا يرحلون.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق