رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

‎«حيتان القروض».. تفترس المدينين

دينا عمارة
مسلسل لعبة الحبار

حينما يسدل الليل ستاره على الزقاق الفقير لإحدى مناطق جانجنام فى سول، يتجرأ الشاب الكورى الجنوبى تشوى يونج، على مغادرة غرفته الصغيرة فى النزل الرخيص الذى يتقاسمه مع نحو 30 شخصا آخر، لاستنشاق بعض الهواء. ذلك هو الوقت الوحيد الذى لا يشعر فيه تشوى، عامل توصيل الطعام بدوام جزئى، بالخزى والعار وأن كرامته تهدر يوميا بسبب نظرات الناس له، تلك النظرات التى تذكره دائما بمدى ثقل الديون التى يحملها فوق كتفيه، التى لا يستطيع سدادها.

فى عالم خيالى، قد يحمل تشوى رقما ضمن أرقام المتسابقين فى لعبة «squid «game أو «الحبار»، تلك الدراما الكورية الجنوبية البائسة، التى باتت تحظى بشعبية كبيرة مؤخرا، والتى تحرض المثقلين بالديون ضد بعضهم البعض فى سباق مروع ملىء بالدماء للحصول على جائزة نقدية كبيرة، لا يمكن تصورها. لكن وضع تشوى اليائس حقيقى فعلا وليس مجرد لعبة، فقبل عامين فقط، كان تشوى يعمل مهندسا لتكنولوجيا المعلومات، وبعد سنوات من العمل الإضافى، قرر هو وزوجته ترك العمل وفتح حانة فى بلدتهما إنشيون، ليس طمعا فى أن يكونا من أصحاب الملايين، ولكن لسد حاجة العيش المتزايدة. البداية كانت مشجعة، حتى وقعت أعمالهما ضحية لوباء كورونا، وهو ما أثر كثيرا على مشروع الزوجين، لتتراكم بعدها الأعباء المالية عليهما. وفى بلد يعد فيه الحصول على قرض سهلا تماما، مثل شراء فنجان من القهوة، وجد الزوجان نفسهما فى حالة اقتراض مستمرة، بفائدة تزيد على 17%، مستخدمين أصولهما كضمان. حتما، كان عليهما اقتراض المزيد لسداد القروض الحالية، ورويدا رويدا انضم الاثنان إلى طوابير طويلة من أصحاب الأعمال المتعثرين.


تشوى وزوجته يمثلان شريحة كبيرة من المدينين فى المجتمع الكورى الجنوبى، حيث نمت ديون الأسر فى البلاد بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بأسعار الفائدة المنخفضة، وهى الآن تفوق الناتج المحلى الإجمالى السنوى للبلاد بنحو 5%، وهو مستوى لم نشهده فى أى مكان آخر فى آسيا. ومن الناحية الفردية، هذا يعنى أنه حتى لو قام الشخص بادخار كل قرش واحد حصل عليه لمدة عام كامل، فلن يكون قادرا على سداد ديونه!

ولكن ما الذى دفع الكوريين الجنوبيين إلى الاقتراض من الأساس حتى تتراكم ديونهم بهذا الشكل المرعب؟، هناك عدة أسباب لذلك، أولها تزايد إنفاق بطاقات الائتمان، وانتشار البطالة بين الشباب خاصة بعد جائحة كورونا، وخسائر المقامرة، واستثمار الشباب فى العملات المشفرة. لكن أهم أسباب الاقتراض الأساسية مرتبط بالعقارات، فقد ارتفعت أسعار المساكن بشكل سريع، خاصة فى عهد الرئيس الحالى مون جاى إن، إلى درجة أصبحت فيها القدرة على تحمل تكاليف الإسكان موضوعا سياسيا ساخنا، وزادت أسعار الشقق فى سول العاصمة بأكثر من 50٪. ورغم الجهود المبذولة لتهدئة سوق الإسكان، ووضع قيود على الإقراض، فإن جميع هذه الإجراءات لم تفعل شيئا يذكر لكبح جماح اقتراض الأسر. ويرى بعض الخبراء أن محاولات الحد من الاقتراض أدت إلى لجوء بعض الأشخاص إلى ما يعرف بـ «حيتان القروض»، وهم مقرضون غير قانونيين يستهدفون غالبا الأشخاص الذين يحتاجون إلى اقتراض الأموال، بعد أن يتعثروا فى سداد قروض البنوك. وتتسم قروض هؤلاء الحيتان بارتفاع معدلات الفائدة بشكل مبالغ فيه. وخطورتهم تكمن فى أنه حينما يعجز المدين عن سداد ديونه، يُترك فريسة سهلة لهؤلاء الحيتان، الذين يمارسون كل أساليب العنف والبلطجة لاسترداد أموالهم، بما فى ذلك إجبار المدين على توقيع عقد بيع أعضائه لسداد ديونه، وهو ما تطرق إليه بالفعل المسلسل الكورى.

ووفقا لبعض التقديرات، هناك نحو 400 ألف كورى مدينون لهؤلاء الحيتان بمعدلات فائدة «مكونة من ثلاثة أرقام»، وتشير أغلب الأبحاث إلى أن عبء الديون الهائلة، يمثل مشكلة اجتماعية عميقة فى كوريا الجنوبية، ناهيك عن أنها تعد السبب الرئيسى للانتحار فى البلاد.

لاشك أن «لعبة الحبار» هى سلسلة صارخة ووحشية ومرهقة، تقدم أشخاصا يكافحون من أجل تغطية نفقاتهم، بينما يغرقون فى مشاكلهم المالية. قد تبدو هذه المشاكل خاصة بكوريا الجنوبية، لكن صداها تردد فى جميع أنحاء العالم، لأنها ظاهرة مظلمة موجودة فى كل مكان. أما بالنسبة لـ «تشوى يونج» عامل توصيل الطعام الذى بدأنا به القصة، فهو غير قادر على أن يصبح جزءا من «البروبجاندا» العالمية التى ساعدت «الحبار» على حشد عشرات الملايين من المشاهدين، فهو لا يملك المال الكافى للاشتراك فى نتفليكس، كما يتساءل: «لماذا أرغب فى مشاهدة مجموعة من الأشخاص لديهم ديون ضخمة، بينما يمكننى فقط النظر فى المرآة»!.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق